4 جمادى الأولى 1448

الموافق

الجمعة 16-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"ذاكرةُ زمن"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-16
"ذاكرةُ زمن"!

ليس «كبار السن» مجرّدَ تسميةٍ أسبغها الزمن على جيلنا، ولا لقبًا تختزله الأعوام في رقمٍ أو مرحلة؛ فنحن أبناءُ حقبةٍ استثنائية، انتقلنا من بساطة العالم التناظري إلى آفاق العالم الرقمي المذهلة، وشهدنا من تقلّبات الحياة وتحولاتها ما يكفي لندرك أنّ التقدّم في الوسائل لا يستلزم بالضرورة ارتقاءً في القيم، وأنّ حداثة الأدوات لا تعني، في كلّ الأحوال، حداثة الوعي أو سموّ الأخلاق.

وُلدنا في زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا لا يُنقَض، والجار أهلًا لا غريبًا، والمعلّم موضعَ هيبةٍ وتوقير، والخبز نعمةً تُصان، والوفاء خُلُقًا لا يحتاج إلى شهود. سلكنا دروب المدارس تحت وهج الشمس ولسعة البرد، وحملنا من مشقّة الطريق دروسًا لم تكن في الكتب؛ فتعلّمنا أن ننهض إذا عثرنا، وأن نتحمّل تبعات أفعالنا، وأنّ المسؤولية لا تُغرس في النفوس بكثرة الوصايا، بل تُبنى بالممارسة، وتترسّخ بالقدوة، ويشهد لها السلوك.

عشنا طفولةً لم تكن وفرة الأشياء عنوانها، بل غنى الأرواح ميسمها، ودفء العلاقات سرّ بهجتها. كانت الأزقّة ملاعبنا، والأفنية ملتقانا، ووجوه الأصدقاء ثروتنا التي لا تُقدّر بثمن. لم تكن الشاشات تحجب عنا الوجوه، ولا المسافات تستنزف أواصر المودّة؛ كنّا نتقاسم اللقمة والسرّ والفرح، ونتخاصم كما يتخاصم الصغار، ثم نطوي صفحة العتاب قبل أن يُسدل الليل ستاره. لم نكن نملك كثيرًا، لكنّنا كنّا نحسن الفرح بالقليل، ونجد في بساطة العيش سعةً لا تمنحها كثرة المقتنيات.

ثم شهدنا الدنيا تبدّل ملامحها، وتطوي صفحاتٍ لتفتح أخرى؛ من الهاتف الثابت إلى الاتصال المرئي، ومن الرسالة المكتوبة التي تقطع المسافات على مهلٍ إلى الرسالة الرقمية التي تعبر القارات في لحظات، ومن أشرطة الكاسيت إلى مكتباتٍ كاملة تستقرّ في راحة اليد. ولم نقف من هذه التحوّلات موقف المتفرّج، بل تعلّمنا أدواتها، وواكبنا إيقاعها، وأحسنّا التعامل مع مستجدّاتها، من غير أن نرى في مواكبة العصر موجبًا للتخلّي عن أصالتنا، أو في الأخذ بأسباب الحداثة مسوّغًا للتفريط في ثوابتنا.

ولعلّ أعظم ما علّمنا إيّاه العمر أنّ الزمن يمضي من غير استئذان، وأنّ قطار الحياة لا يتوقّف عند محطّةٍ لنستدرك ما فاتنا. تتوالى الأعوام، وينقضي من العمر فصلٌ إثر فصل، حتى نلتفت ذات يومٍ فنجد مقاعدَ خلت من أصحابها، وبيوتًا غيّرت الأيام ملامحها، ووجوهًا كانت تملأ مجالسنا غابت عنّا، وذكرياتٍ ازدادت في القلب حضورًا كلّما ابتعدت عنّا في الواقع. عندها ندرك أنّ بعض ما نظنّه عابرًا لا يعود، وأنّ بعض اللحظات لا نعرف قدرها حقّ المعرفة إلا حين تصبح ذكرى.

فلا تؤجّلوا المحبّة، ولا تحبسوا كلمةً طيّبةً في الصدور، ولا تجعلوا الغد ذريعةً لتأخير زيارة، أو قطيعةً لصلة، أو إرجاءً لفرحةٍ يستطيع المرء أن يصنعها اليوم. بادروا إلى السؤال عن أحبّتكم، وصِلوا من انقطعت بهم السبل، واجبروا الخواطر ما استطعتم؛ فليس أكرم من قلبٍ يحنو، ولا أجمل من يدٍ تمتدّ بالخير، ولا أثمن من لحظةٍ يشعر فيها إنسانٌ بأنّه ليس منسيًّا. فما يبقى من العمر ليس عدد السنين التي عبرناها، بل ما أودعناه في القلوب من محبّة، وما غرسناه في النفوس من خير، وما تركناه في حياة الآخرين من أثرٍ طيّب.

لسنا جيلًا انقضى أو صفحةً طواها الزمن؛ نحن ذاكرةُ حقبة، وشهودُ تحوّل، وخلاصةُ تجارب صاغتها الأيام، ونقشت دروسها في أعماقنا. وإذا كان العمر قد أخذ منّا نضارة الشباب، فقد منحنا في المقابل بصيرةً لا تُشترى، وحكمةً لا تُنال بالعجلة، وعرفانًا بأنّ قيمة الحياة لا تُقاس بما نملكه من أشياء، بل بما نحمله من معانٍ، وبما نمنحه من محبّة، وبما نؤدّيه من واجب، وبما نتركه وراءنا من جميل الذكر وحسن الأثر.

فليس العمر، في جوهره، سباقًا إلى بلوغ محطّةٍ أخيرة، بل رحلةٌ تتجلّى قيمتها في ما نمنحه خلالها من معنى، وما نزرعه في دروب الآخرين من خير. وما دامت في القلب بقيّةُ نبض، وفي الروح فسحةُ رجاء، فإنّ باب المحبّة لا يُغلق، ومجال العطاء لا يضيق، وفرص الخير لا تنفد.

فالزمن لا يعود، والحياة لا تنتظر؛ وما دام في القلب نبض، ففي المحبّة متّسع، وللخير بقيّة.


ليس «كبار السن» مجرّدَ تسميةٍ أسبغها الزمن على جيلنا، ولا لقبًا تختزله الأعوام في رقمٍ أو مرحلة؛ فنحن أبناءُ حقبةٍ استثنائية، انتقلنا من بساطة العالم التناظري إلى آفاق العالم الرقمي المذهلة، وشهدنا من تقلّبات الحياة وتحولاتها ما يكفي لندرك أنّ التقدّم في الوسائل لا يستلزم بالضرورة ارتقاءً في القيم، وأنّ حداثة الأدوات لا تعني، في كلّ الأحوال، حداثة الوعي أو سموّ الأخلاق.

وُلدنا في زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا لا يُنقَض، والجار أهلًا لا غريبًا، والمعلّم موضعَ هيبةٍ وتوقير، والخبز نعمةً تُصان، والوفاء خُلُقًا لا يحتاج إلى شهود. سلكنا دروب المدارس تحت وهج الشمس ولسعة البرد، وحملنا من مشقّة الطريق دروسًا لم تكن في الكتب؛ فتعلّمنا أن ننهض إذا عثرنا، وأن نتحمّل تبعات أفعالنا، وأنّ المسؤولية لا تُغرس في النفوس بكثرة الوصايا، بل تُبنى بالممارسة، وتترسّخ بالقدوة، ويشهد لها السلوك.

عشنا طفولةً لم تكن وفرة الأشياء عنوانها، بل غنى الأرواح ميسمها، ودفء العلاقات سرّ بهجتها. كانت الأزقّة ملاعبنا، والأفنية ملتقانا، ووجوه الأصدقاء ثروتنا التي لا تُقدّر بثمن. لم تكن الشاشات تحجب عنا الوجوه، ولا المسافات تستنزف أواصر المودّة؛ كنّا نتقاسم اللقمة والسرّ والفرح، ونتخاصم كما يتخاصم الصغار، ثم نطوي صفحة العتاب قبل أن يُسدل الليل ستاره. لم نكن نملك كثيرًا، لكنّنا كنّا نحسن الفرح بالقليل، ونجد في بساطة العيش سعةً لا تمنحها كثرة المقتنيات.

ثم شهدنا الدنيا تبدّل ملامحها، وتطوي صفحاتٍ لتفتح أخرى؛ من الهاتف الثابت إلى الاتصال المرئي، ومن الرسالة المكتوبة التي تقطع المسافات على مهلٍ إلى الرسالة الرقمية التي تعبر القارات في لحظات، ومن أشرطة الكاسيت إلى مكتباتٍ كاملة تستقرّ في راحة اليد. ولم نقف من هذه التحوّلات موقف المتفرّج، بل تعلّمنا أدواتها، وواكبنا إيقاعها، وأحسنّا التعامل مع مستجدّاتها، من غير أن نرى في مواكبة العصر موجبًا للتخلّي عن أصالتنا، أو في الأخذ بأسباب الحداثة مسوّغًا للتفريط في ثوابتنا.

ولعلّ أعظم ما علّمنا إيّاه العمر أنّ الزمن يمضي من غير استئذان، وأنّ قطار الحياة لا يتوقّف عند محطّةٍ لنستدرك ما فاتنا. تتوالى الأعوام، وينقضي من العمر فصلٌ إثر فصل، حتى نلتفت ذات يومٍ فنجد مقاعدَ خلت من أصحابها، وبيوتًا غيّرت الأيام ملامحها، ووجوهًا كانت تملأ مجالسنا غابت عنّا، وذكرياتٍ ازدادت في القلب حضورًا كلّما ابتعدت عنّا في الواقع. عندها ندرك أنّ بعض ما نظنّه عابرًا لا يعود، وأنّ بعض اللحظات لا نعرف قدرها حقّ المعرفة إلا حين تصبح ذكرى.

فلا تؤجّلوا المحبّة، ولا تحبسوا كلمةً طيّبةً في الصدور، ولا تجعلوا الغد ذريعةً لتأخير زيارة، أو قطيعةً لصلة، أو إرجاءً لفرحةٍ يستطيع المرء أن يصنعها اليوم. بادروا إلى السؤال عن أحبّتكم، وصِلوا من انقطعت بهم السبل، واجبروا الخواطر ما استطعتم؛ فليس أكرم من قلبٍ يحنو، ولا أجمل من يدٍ تمتدّ بالخير، ولا أثمن من لحظةٍ يشعر فيها إنسانٌ بأنّه ليس منسيًّا. فما يبقى من العمر ليس عدد السنين التي عبرناها، بل ما أودعناه في القلوب من محبّة، وما غرسناه في النفوس من خير، وما تركناه في حياة الآخرين من أثرٍ طيّب.

لسنا جيلًا انقضى أو صفحةً طواها الزمن؛ نحن ذاكرةُ حقبة، وشهودُ تحوّل، وخلاصةُ تجارب صاغتها الأيام، ونقشت دروسها في أعماقنا. وإذا كان العمر قد أخذ منّا نضارة الشباب، فقد منحنا في المقابل بصيرةً لا تُشترى، وحكمةً لا تُنال بالعجلة، وعرفانًا بأنّ قيمة الحياة لا تُقاس بما نملكه من أشياء، بل بما نحمله من معانٍ، وبما نمنحه من محبّة، وبما نؤدّيه من واجب، وبما نتركه وراءنا من جميل الذكر وحسن الأثر.

فليس العمر، في جوهره، سباقًا إلى بلوغ محطّةٍ أخيرة، بل رحلةٌ تتجلّى قيمتها في ما نمنحه خلالها من معنى، وما نزرعه في دروب الآخرين من خير. وما دامت في القلب بقيّةُ نبض، وفي الروح فسحةُ رجاء، فإنّ باب المحبّة لا يُغلق، ومجال العطاء لا يضيق، وفرص الخير لا تنفد.

فالزمن لا يعود، والحياة لا تنتظر؛ وما دام في القلب نبض، ففي المحبّة متّسع، وللخير بقيّة.

أخبار مماثلة