لم يكن اجتماع تامبا يوحي بإمكانية تحقيق اختراق جديّ، في ظل الهوّة بين المطالب اللبنانية والشروط الإسرائيلية. وجاء الإعلان الإسرائيلي بشأن بلدة كفرا الجنوبية، بالتزامن مع الاجتماع، ليعزز الانطباع بأن تل أبيب لا تكتفي بفرض الوقائع على الأرض، بل تسعى أيضاً إلى نقل ضغوطها إلى طاولة التفاوض، واضعةً الجيش اللبناني في مرمى الاتهامات.
أعلن الجيش الإسرائيلي أنه رصد نقل أسلحة ومعدات من منشأة في كفرا، بعدما كان الجيش اللبناني قد أعلن اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها. ثم ذهب أبعد من ذلك، متحدثاً عن تنسيق بين جهات داخل الجيش اللبناني وحزب الله. وهي اتهامات خطيرة لم تثبت بصورة مستقلة، لكن توظيفها سياسياً يطرح سؤالاً يتجاوز تفاصيل الحادثة: هل تريد إسرائيل معالجة ثغرات أمنية فعلية، أم استخدام هذه الوقائع لفرض شروط إضافية على لبنان؟
توقيت الإعلان ليس تفصيلاً هامشياً. فبدل أن ينصبّ الاهتمام على وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، يجد لبنان نفسه أمام اتهامات تستهدف أداء مؤسسته العسكرية، وتشكّك في قدرتها على تنفيذ مهماتها. وبهذا، تحاول الرواية الإسرائيلية جعل سلوك الجيش اللبناني محور النقاش، فيما تتراجع مسؤولية إسرائيل عن التزاماتها إلى خلفية المشهد.
هنا تكمن خطورة المسار. فإذا تحوّلت كل حادثة أمنية إلى ذريعة للمطالبة بإجراءات إضافية أو لتبرير استمرار العمليات العسكرية، فلن تعود التفاهمات القائمة سقفاً واضحاً للالتزامات، بل نقطة انطلاق لشروط إسرائيلية متجددة. وعندها، يصبح التفاوض عملية ضغط مفتوحة، يُطلب فيها من لبنان تقديم المزيد، من دون ضمانات مقابلة تضع حدّاً للاعتداءات وتحدد أفق الانسحاب.
لا يعني ذلك إعفاء الجيش اللبناني من مسؤولية معالجة أي خلل أو تجاهل ضرورة التحقق من الوقائع. لكن المساءلة شيء، وتحويل الاتهامات غير المثبتة إلى أداة ضغط سياسي شيء آخر. وأي آلية أمنية جدّية يجب أن تقوم على معايير واضحة، وأدلة قابلة للتحقق، والتزامات متبادلة، لا على رواية طرف واحد يُبقي لنفسه حق تحديد الخلل وتقرير كيفية معالجته.
لهذا، لا يكفي انعقاد اجتماع تامبا لتبرير التفاؤل. فالمعيار ليس ما إذا كانت الاجتماعات ستستمر، بل ما إذا كانت ستنتج وقفاً فعلياً للاعتداءات، وانسحاباً إسرائيلياً، وآلية تحقق لا تتحوّل إلى غطاء لفرض مطالب أحادية الجانب.
من كفرا إلى تامبا، تبدو المواجهة أوسع من حادثة أمنية: إنها صراع على قواعد التفاوض وحدود الالتزامات. والتحدّي أمام لبنان هو منع تحويل الضغط العسكري والاتهامات الأمنية إلى مسار لانتزاع تنازلات إضافية. فالتسوية التي تُحمّل طرفاً واحداً كامل المسؤولية، وتترك للطرف الآخر حرية توسيع شروطه، لا تؤسس لاستقرار؛ بل تؤجل الانفجار التالي.