تشهد إسرائيل، اليوم الثلاثاء، الانتخابات العامة للكنيست، وهي الأولى بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وبذل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعصابته في الحكومة الحالية، جهوداً كبيرة، لإبعاد إخفاق السابع من أكتوبر عن أجندة الانتخابات، كما أثار هواجس أمنية كثيرة لدى الإسرائيليين، خصوصاً في الأيام الأخيرة، بما يخدم حملته الانتخابية، وعمل على إزاحة أكبر عدد من المطبات في معسكره. في المقابل، يبدو "معسكر التغيير" المناوئ له مصمماً على استبداله، رافضاً حتى الجلوس في حكومة وحدة وطنية معه، في حال تعذّر على أحد المعسكرين الحسم. وتمنح استطلاعات الرأي الأخيرة، أفضلية طفيفة لمعسكر التغيير، كما تترنح أحزاب صغيرة أخرى حول نسبة التصويت، وسيؤثر نجاحها أو فشلها في صورة المقاعد، يضاف إلى ذلك، نحو 15 مقعداً تزيد أو تنقص قليلاً للأحزاب العربية مجتمعة، ضمن القائمة المشتركة والقائمة الموحّدة، من أصل 120 مقعداً في الكنيست. وتفتح صناديق الاقتراع العادية أبوابها في الساعة السابعة صباحاً، اليوم الثلاثاء، وتُغلق في العاشرة ليلاً، وأحياناً تُمدد قليلاً، وفقاً للإقبال. ومع إغلاقها تعرض القنوات العبرية نتائج عيناتها الانتخابية، والتي قد تعطي تصوّراً أولياً عن النتائج المتوقّعة، لكن كثيراً ما تتغير الصورة مع بدء تدفق النتائج الحقيقية لفرز الأصوات.
توصف الانتخابات الحالية بأنها حاسمة ومصيرية، ليس من المجتمع العربي فقط الذي يسعى لإطاحة حكومة الإبادة والدمار والهدم، بل حتى من جانب أوساط واسعة في الشارع الإسرائيلي، تحديداً تلك المناهضة لبنيامين نتنياهو وحكومته وشركائه في الائتلاف، والتي تسعى لتحميلهم مسؤولية الإخفاقات الأمنية، وتدهور مكانة إسرائيل دولية، وزيادة حالة الاستقطاب بين الإسرائيليين، والسعي لإعفاء اليهود المتزمتين دينياً (الحريديم) من التجنيد، وقضايا خلافية كثيرة أخرى، عدا عن الخلاف الجوهري على هوية إسرائيل، وما ستكون عليه ومن يتحكم بها.
ووسط هذا الحال، عاد عشرات آلاف الإسرائيليين من الخارج للمشاركة في الانتخابات، إذ أشارت دائرة الإحصاء المركزية في الأيام الأخيرة، إلى أن نحو 810 آلاف إسرائيلي يقيمون في الخارج.
عدد أصحاب حق الاقتراع، 7.331.981 ملايين، يحق لهم التصويت في الانتخابات للكنيست الـ26. وتشير الأرقام إلى زيادة بأكثر من 543 ألف مصوت جديد على المستوى العام في إسرائيل، مقارنة بالانتخابات الماضية للكنيست الـ25، في عام 2022. وتتوزع الأصوات على 12018 مركز اقتراع و18 ألف صندوق اقتراع. وتُظهر معطيات دائرة الإحصاء المركزية أيضاً أن نحو 15.1% من أصحاب حق الاقتراع في إسرائيل هم شبان تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، فيما تتراوح أعمار 27.6% منهم بين 25 و39 عاماً، وتبلغ نسبة الذين تراوح أعمارهم بين 40 و59 عاماً نحو 31%. أما أصحاب حق الاقتراع الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر، فتصل نسبتهم إلى نحو 26.3% من مجمل أصحاب حق الاقتراع في إسرائيل. وبحسب المعطيات أيضاً، فإن أكثر من خمسة ملايين شخص بقليل، أي نحو 77% من أصحاب حق الاقتراع المقيمين في إسرائيل، هم من اليهود، ومن بينهم نحو 684 ألفاً من الحريديم. في المقابل، يبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع العرب نحو 1.159 مليون، بنسبة تقارب 18% من مجمل المقترعين. أما نحو 346 ألف شخص، أي قرابة 5%، فينتمون إلى فئة "الآخرين"، وتشمل مسيحيين غير عرب أو سكاناً بلا تصنيف ديني، ومعظمهم مهاجرون وأفراد عائلاتهم الذين لا تسجلهم السلطات يهوداً في سجل السكان.
وتشارك في الانتخابات الإسرائيلية 13 قائمة بارزة، بعضها تجمع أكثر من حزب، إضافة إلى قوائم أخرى صغيرة وهامشية إلى حد لا يُذكر. أما القوائم البارزة فهي:
1. قائمة حزب يشار، هي قائمة صهيونية ليبرالية أُسّست في سبتمبر/أيلول 2025 برئاسة رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت. ومن بين مؤسسيها وأبرز الشخصيات المنضمة إليها شخصيات سابقة بارزة من مجالات الأمن والاقتصاد والإدارة الحكومية.
2. الليكود، بزعامة رئيس حكومة الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو الذي يُعتبر في المفاهيم الإسرائيلية، حزباً سياسياً عريقاً ويتولى الحكم منذ سنوات طويلة، ويقود حالياً الائتلاف الحاكم والحكومة.
3. قائمة "بياحد"، بزعامة نفتالي بينت، وهي قائمة انتخابية توحّد حزبين هما "بينت 2026" و "يش عتيد"، بزعامة رئيس المعارضة يئير لبيد. وسبق لكليهما أن قادا الحكومة السابقة ما بين 2021 و2022 معاً، أو ما عُرف باسم حكومة التغيير، والتي لم تصمد طويلاً.
4. القائمة المشتركة، برئاسة يوسف جبارين، وهي قائمة تتمثل قوتها الانتخابية في المجتمع العربي بالأساس، وتتشكل من ثلاثة أحزاب، هي الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمّع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير، ويُعتقد أنها ستكون القوة الحاسمة في هذه الانتخابات، التي ستحول دون تشكيل نتنياهو حكومة.
5. "الديمقراطيون": وهي قائمة برلمانية أنشئت نتيجة اندماج حزبي "العمل" و"ميرتس"، ويترأسها يائير غولان.
6. "عوتمسا يهوديت": وهي قائمة يترأسها وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير.
7. "شاس": حزب ديني اجتماعي يمثل شريحة اليهود الحريديم واليهود الشرقيين المحافظين على التقاليد (السفارديم)، ويُعد شريكاً في الائتلاف الحكومي الحالي.
8. "يسرائيل بيتينو": قائمة بزعامة أفيغدور ليبرمان، أُسّست عام 1999 لتمثيل جمهور "القادمين الجدد" إلى إسرائيل. وقد شغلت على مرّ السنين مناصب بارزة سواء في الحكومة أو في صفوف المعارضة. وفي الكنيست الحالي كانت ضمن المعارضة، وهي تتوجه اليوم إلى شرائح جماهيرية متنوعة وأوسع.
9. "يهدوت هتوراه": قائمة حريدية (يهودية متشددة دينياً) أشكنازية تتألف من حزبين هما "ديغل هتوراة" و "أغودات يسرائيل"، وتُعد شريكاً في الائتلاف الحكومي الحالي، لكنها على خلاف معه بسبب عدم سن قانون لإعفاء الحريديم من التجنيد.
10. "الصهيونية الدينية وزهوت": قائمة انتخابية توحّد حزبين هما "الصهيونية الدينية" بزعامة الوزير بتسلئيل سموتريتش، و"زهوت" بقيادة موشيه فيغلين، وينحدر مرشحوهما من خلفية دينية قومية.
11. القائمة العربيّة الموحّدة: وهي قائمة برئاسة منصور عباس، تعود للحركة الإسلامية الجنوبية، وتعتمد في التصويت لها على المجتمع العربي بالأساس، كما كانت جزءاً من الائتلاف في الحكومة السابقة، وضمت إلى صفوفها في هذه الانتخابات الضابط المتقاعد يوآف سيغالوفيتش.
12. الاحتياطيون والاقتصادية: وهي قائمة انتخابية توحّد حزبين هما حزب "هميلوئيمنيكيم" (أي جنود الاحتياط) و"الحزب الاقتصادي الجديد". وقد اتحد الحزبان في سبتمبر الماضي استعداداً لخوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة. وتترنح القائمة عند نسبة الحسم، بحيث تجتازها في بعض الاستطلاعات وتبقى دونها في استطلاعات أخرى.
13. "عمخا يسرائيل": هو حزب يميني متطرف جديد برئاسة العميد احتياط عوفر فينتر، كما يدعم دمج الحريديم في الجيش الإسرائيلي. وتترنح القائمة عند نسبة الحسم، بحيث تجتازها في بعض الاستطلاعات وتبقى دونها في استطلاعات أخرى، علماً أنه لم يجتزها في الاستطلاعات الأخيرة.
وبحسب استطلاعات الرأي، فإنه لا أحد من بين المعسكرين يمتلك 61 مقعداً لتشكيل حكومة، كما تستبعد الأحزاب الصهيونية تشكيل حكومة بالاعتماد على الأحزاب العربية، رغم إبداء القائمة الموحّدة استعدادها لتكون جزءاً من الحكومة المقبلة. كما ترفض أحزاب معسكر التغيير، فكرة تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة نتنياهو، لكنها لا تستبعد حزب الليكود، ضمن معادلات معيّنة. ومن بين الأحزاب من يرفض الجلوس مع الحريديم. وتبقى مرحلة ما بعد الانتخابات، مفتوحة على عدة سيناريوهات، بما فيها التوجّه لانتخابات أخرى.
إلى ذلك، فإنّ معسكر التغيير وصل أكثر تنظيماً إلى هذه الانتخابات من معسكر الحكومة الحالية. وحاول نتنياهو إزالة أحزاب صغيرة من طريقه، تحديداً حزب عمخا يسرائيل، وتحويل أصواته إلى الليكود أو سموتريتش، أو جهات أخرى في معسكره، وشنّ حرباً عليه، معتبراً أنّه لن يجتاز نسبة الحسم وسيضر بحظوظ معسكر اليمين. كما أن المعسكر المناوئ لبنيامين نتنياهو تمكن من توقيع اتفاقيات فائض أصوات، وهي اتفاقيات تكون بين كل حزبين، وتزيد من احتمال حصول أحدهما بناء على النتائج، على مقعد إضافي، بدل حرق الأصوات الزائدة عن المقاعد. أما في معسكر نتنياهو فبقي بن غفير دون اتفاق من هذا النوع، ورفض توقيع واحدٍ مع فينتر. مع هذا لا يخلو معسكر التغيير أيضاً من بعض الخلافات، كما لم يحدد رسمياً هوية من سيتزعمه وإن كان آيزنكوت صاحب عدد المقاعد الأكبر وفق الاستطلاعات، أم جهات أخرى في المعسكر نفسه والتي ترفض التعهد بمنح آيزنكوت الزعامة. بالمقابل، يحرص نتنياهو على التماسك الداخلي لمعسكره السياسي، كما لا توجد أزمة بشأن من يتزعم المعسكر كما هو حال التباينات والخلافات لدى الطرف الآخر.
يبدأ فرز الأصوات بعد إغلاق صناديق الاقتراع مباشرة، لكن النتائج لا تصبح نهائية فور الانتهاء من ذلك. وإلى جانب الأصوات في مراكز الاقتراع العادية، يجب استكمال فحص وفرز الأصوات في المظاريف الخارجية والمغلفات المزدوجة، بما في ذلك الأصوات الواردة من مراكز الاقتراع الخاصة، وهي أصوات عادة تتعلق بمن لا يستطيعون الوصول إلى مراكز التصويت العادية، بل يصوتون في الهيئات الدبلوماسية في الخارجية مثلاً، أو في القواعد العسكرية في حالة جزء من الجنود، وغير ذلك. ووفقاً للجدول الزمني للجنة الانتخابات المركزية، ستُنشر النتائج النهائية لانتخابات الكنيست في السجل الرسمي بحلول الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وعليه، إلى حين استكمال إجراءات الفرز والتدقيق والمصادقة، قد تطرأ تغييرات على النتائج. وبعد انتهاء هذه العملية، سيتم تحديد تركيبة الكنيست الـ26، استناداً إلى عدد الأصوات الصحيحة، ونسبة الحسم الانتخابية، وتوزيع المقاعد (المقاعد البرلمانية) بين القوائم المتنافسة. بعد ذلك، تأتي المراحل المتعلّقة بمحاولات تشكيل حكومة، من هذا الطرف أو ذاك.