14 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 26-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الأحساء، حيث يتعانق عبق التاريخ مع نهضة الحاضر وآفاق المستقبل...
الأحساء، حيث يتعانق عبق التاريخ مع نهضة الحاضر وآفاق المستقبل...
د. عبد الرحيم جاموس
2026-10-26
الأحساء، حيث يتعانق عبق التاريخ مع نهضة الحاضر وآفاق المستقبل...

ليست الرحلات مجرد انتقال بين المدن، بل هي نافذة نطل منها على تاريخ المكان وحضارته، ونقترب عبرها من إنسانه وثقافته وذاكرته الحية.

ومن هذا المنطلق، كانت رحلتنا إلى الأحساء برفقة معالي المهندس مازن غنيم، سفير دولة فلسطين لدى المملكة العربية السعودية، تجربة غنية بالانطباعات الإنسانية والحضارية والوطنية، تركت في نفوسنا أثراً طيباً يستحق أن يُروى في أدب الرحلات. امتدت رحلتنا من صباح الجمعة الثالث والعشرين من أكتوبر إلى مساء الأحد الخامس والعشرين من الشهر نفسه، وكانت مناسبة لاكتشاف جانب من جمال الأحساء وتاريخها العريق، والاطلاع على ما تشهده من نهضة تنموية وحضارية، فضلاً عن اللقاء بأبناء الجالية الفلسطينية وعائلاتهم، وعددٍ من وجهاء المنطقة ورجال الأعمال والمسؤولين، في أجواء سادتها حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة وصدق المشاعر. ومنذ اللحظات الأولى لمسنا في أهل الأحساء أصالةً في التعامل ودفئاً في الاستقبال، وكرماً يعكس عمق القيم الاجتماعية المتجذرة في المجتمع السعودي. وقد كان لهذه الحفاوة أثرها الخاص في نفوسنا، إذ تجاوزت حدود المجاملة المعتادة لتعبّر عن روح الأخوة والتقدير المتبادل، وتؤكد أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالاتفاقيات الرسمية فحسب، بل تتجذر أيضاً في اللقاءات الإنسانية والتواصل المباشر والمشاعر الصادقة. لقاءاتنا مع أبناء الجالية الفلسطينية في الأحساء حملت معاني تتجاوز حدود اللقاء الاجتماعي، لتؤكد أهمية التواصل مع أبناء شعبنا في بلاد الاغتراب والاطمئنان إلى أحوالهم وتعزيز روابطهم الوطنية والاجتماعية، وهم يعيشون ويعملون في بيئة أخوية تحتضنهم وتتيح لهم مواصلة حياتهم.
 كما أتاحت لنا لقاءاتنا مع وجهاء المنطقة ورجال الأعمال والمسؤولين فرصة للتعرف إلى جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الأحساء، وإلى ما يربط المجتمعين الفلسطيني والسعودي من وشائج الأخوة والتاريخ والمصالح المشتركة. لم تكن الأحساء بالنسبة إلينا مجرد محطة عابرة، بل كانت كتاباً مفتوحاً من التاريخ والحضارة، تتجلى صفحاته في طبيعتها ومعالمها الأثرية وتراثها العمراني، وفي قدرة أهلها على المحافظة على هويتهم الأصيلة وهم يمضون بثقة نحو المستقبل. هناك، في جبل القارة، بدا المكان وكأنه يحتفظ بأسرار الزمن في تضاريسه وتكويناته الطبيعية. يقف الجبل شاهداً على فرادة الطبيعة الأحسائية، بما يمنح الزائر إحساساً بالدهشة والتأمل. 
وفي حضرة مسجد جواثا التاريخي، أحد أبرز المعالم الإسلامية في المنطقة، استحضرنا صفحات من تاريخ الإسلام المبكر في هذه الأرض، وما شهدته من انتشار للإسلام وترسخ لقيمه الدينية والحضارية. وفي مثل هذه المواقع، لا يقف الزائر أمام بناءٍ قديم فحسب، بل يستحضر تاريخاً من الإيمان والعلم والتواصل الإنساني، ويشعر بأن المكان لا يزال يحتفظ بشيءٍ من روحه الأولى مهما تعاقبت عليه القرون. أما قصر إبراهيم التاريخي، فقد مثّل لنا نموذجاً لثراء التراث العمراني في الأحساء، بما يجمعه من عناصر معمارية وتاريخية تعكس مراحل مهمة من تاريخ المنطقة. في جدرانه وأروقته تتجلى ملامح العمارة التقليدية، وتتداخل الوظيفة الدفاعية والإدارية مع الجمال المعماري، في صورة تذكرنا بأن الآثار ليست بقايا صامتة من الماضي، بل شواهد حية تساعد الأجيال الجديدة على فهم تاريخها، واستيعاب التحولات التي صنعت حاضرها. 
وقد منحتنا هذه الزيارات فرصة للتأمل في أهمية صون المواقع التاريخية والأثرية، ليس بوصفها معالم سياحية فحسب، بل باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية والإنسانية، ومصدراً من مصادر الوعي بالهوية والانتماء. فالأمم التي تعرف قيمة تاريخها وتعتني بتراثها تكون أقدر على بناء مستقبلها، لأنها تنطلق من جذور راسخة ولا تجعل التحديث مرادفاً للقطيعة مع الماضي. الأحساء في ذاكرتنا بعد هذه الرحلة ليست واحة نخيل فحسب، ولا سجلاً مفتوحاً للآثار والتاريخ، بل حكاية إنسان وأرض، وجسر يصل الماضي بالحاضر، ومساحة واعدة تتلاقى فيها الهوية والتنمية والطموح. 
وبين جبل القارة ومسجد جواثا وقصر إبراهيم، وبين كرم أهلها ومظاهر نهضتها، أدركنا أن جمال المكان يكتمل حين تتعانق ذاكرته مع أحلام أبنائه، وحين يصبح التاريخ قوة دافعة نحو المستقبل، لا مجرد حكاية تُروى عن الماضي. 
وهكذا انتهت رحلتنا، لكن أثرها بقي حاضراً في النفس، ذكرى جميلة لمكان كريم، وإنسان مضياف، وحضارة متجددة، ومستقبل يحمل الكثير من الأمل. 
د. عبد الرحيم جاموس.
26/10/2026


أخبار مماثلة