قراءة تحليلية في اجتماع طهران الذي انعقد بتاريخ 26 تشرين الأول 2026 .
إن الاجتماع الذي استضافته طهران اليوم ليس اجتماعاً عادياً. إنه أول اتصال رفيع المستوى بين إيران وحلف مكة الدفاعي منذ تأسيس هذا الحلف في 7 آب الماضي، ومنذ أن تحولت السعودية نفسها إلى نقطة ضغط في الحرب الواسعة بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
أولاً: خلفيات الاجتماع
تأسس حلف مكة في مكة في آب 2026 بين ثلاث دول: السعودية وتركيا وباكستان. وتنص مادته الأولى على أن أي هجوم مسلح على أحد أعضائه يعتبر هجوماً على الجميع، ويلتزمون باستخدام "جميع الوسائل اللازمة" لحماية سيادة بعضهم.
جاء التأسيس بعد ثمانية أشهر من الحرب التي بدأت في 28 شباط 2026 بضربات أميركية إسرائيلية على إيران، ورد إيراني طال دول الخليج نفسها بأكثر من سبعة آلاف صاروخ ومسيرة، حسب أمانة مجلس التعاون. وبعد أن تعرضت السعودية لهجمات متصاعدة من الحوثيين على مطاراتها ومنشآتها النفطية، حتى قرب مكة نفسها، وجدت الرياض نفسها مضطرة للبحث عن مظلة حماية جديدة.
هنا يأتي السؤال الكبير: هل تراجعت أمريكا عن حماية حلفائها؟ الجواب نعم جزئياً. أميركا منشغلة بانتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني، وترامب يلوّح بضربة لإيران وينفيها في نفس اليوم، كما حصل مع تصريحات توم باراك. هذا التذبذب دفع الحلفاء للبحث عن أمن إقليمي نابع من المنطقة، كما قال المتحدث الإيراني إسماعيل بقائي اليوم.
ثانياً: أهداف الاجتماع - المعلن والخفي
المعلن، حسب الخارجية السعودية، هو "خفض التصعيد وتشجيع الحوار ودعم الوساطة التي تقوم بها قطر وباكستان".
أما الأهداف الحقيقية فهي أعمق:
وقف نزيف حلف مكة: السعودية تريد من إيران وقف هجمات الحوثيين. إيران تريد من حلف مكة عدم تحويل أراضي السعودية إلى قاعدة لضربها.
اختبار ولادة نظام أمني إقليمي: إيران تقول بوضوح إن هذا الاجتماع قد يكون "مقدمة لإرساء أمن إقليمي نابع من المنطقة".
هذا هو لب فكرة الحلف الإسلامي .
الهدف الأكبر: الاتفاق السري الأميركي الإيراني. المعلومات المتداوله عن اتفاق غير معلن حتى تم التوصل اليه بين اميركا وايران بمساعي روسيه صحيحة جزئياً. ولكن لا يوجد اتفاق سري موقع حتى الآن، وهناك تحركات روسية وباكستانية مكثفة.
وزير الخارجية الروسي لافروف تنقل بين المنامة وطهران يوم 18 تشرين الأول، وعرض نقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى روسيا. باكستان نقلت مقترحاً إيرانياً لواشنطن في منتصف أيلول: رفع الحصار عن الموانئ وتخفيف العقوبات مقابل وقف التصعيد وفتح مضيق هرمز.
وحسب مصادر "إرم نيوز"، فإن إيران تريد إحياء مذكرة تفاهم حزيران 2026 بوساطة روسية . وزيارة الرئيس الإيراني وامير قطر إلى روسيا تأتي في هذا السياق .
ثالثاً: هل هو منسق مع ترامب؟
نعم، وبشكل غير مباشر. باكستان هي الوسيط المعتمد بين واشنطن وطهران منذ حزيران. وقطر كذلك. السعودية لا تستطيع الذهاب إلى طهران دون ضوء أخضر أمريكي، خصوصاً ووزير دفاعها هو شقيق ولي العهد. وما يعزز ذلك هو تصريح توم باراك أمس أن أميركا لا تريد تغيير النظام في إيران. هذا يعني أن واشنطن تريد تهدئة، لكنها تؤجل الإعلان إلى ما بعد انتخابات إسرائيل ، اوبعد انتخابات الكونغرس الأميركي، حتى لا يفشله نتنياهو الذي يريد الحرب لإنقاذ نفسه انتخابياً.
رابعاً: من الرابح ومن الخاسر؟
الرابحون:
السعودية: إذا نجحت في وقف هجمات الحوثيين دون حرب، تكون قد حولت حلف مكة من حلف للدفاع عنها إلى حلف للتفاوض باسمها.
باكستان وتركيا: باكستان تثبت نفسها كوسيط لا غنى عنه لأميركا وإيران والسعودية. وتركيا تثبت أن حلف الناتو ليس خيارها الوحيد.
إيران: تريد كسر العزلة، وتقول للعالم: أنا أتفاوض مع جيرانك وليس فقط مع أميركا، وأمن الخليج يمر عبر طهران وليس عبر تل أبيب.
روسيا: إذا نجحت وساطتها في نقل اليورانيوم، تكون قد عادت كلاعب أساسي في الخليج.
الخاسرون:
إسرائيل: كل حديث عن أمن إقليمي إسلامي دون إسرائيل، هو خسارة استراتيجية لها. الخارجية الإيرانية قالت اليوم إن الاجتماع سيبحث "سياسات إسرائيل التوسعية في فلسطين ولبنان وسوريا". هذا يعني أن حلف مكة بدأ يتبنى خطاباً قريباً من خطاب طهران ضد التغول الإسرائيلي الذي في لبنان وغزة والضفة وسوريا.
الحوثيون إذا لم يلتزموا: السعودية ستقول: ذهبت إلى طهران، فإذا استمر القصف، فهذا يعني أن طهران لا تسيطر، أو لا تريد.
خامساً: هل سيوقف الحوثيون التصعيد؟
هذا هو مفتاح الاتفاق. حسب ما سرب .اتفقت الأطراف على "مواصلة المناقشات بهدف تعزيز التعاون في مجالي السلام والأمن الإقليميين". إيران رفضت، حسب رويترز، مناقشة برنامجها النووي في هذا الاجتماع، وأصرت أن على أميركا تلبية شروطها أولاً: رفع الحصار عن الموانئ وإنهاء الأعمال القتالية.
هذا يعني أن إيران تريد فصل ملف الحوثيين عن الملف النووي. قد توقف أو تخفف هجمات الحوثيين كبادرة حسن نية للسعودية، مقابل أن تضغط السعودية وباكستان وتركيا على أميركا لرفع الحصار.
الخلاصة : نحن أمام لحظة تحول تاريخية. بعد أن كانت المنطقة تعيش على حلفين: حلف أميركي إسرائيلي، وحلف إيراني مقاوم، يولد اليوم حلف ثالث إسلامي وسطي: مكة - أنقرة - إسلام آباد - طهران. حلف يقول لأميركا: لم تعودي تحمينا وحدك، ويقول لإسرائيل: تغولك في غزة ولبنان وسوريا وحد المسلمين ضدك، ويقول لإيران: تعالي نتفاهم كمسلمين قبل أن يتفاهم الأميركي والروسي فوق رؤوسنا.
هل سينجح؟ نجاحه مرتبط بما بعد انتخابات إسرائيل وأميركا. لذلك تأخر الإعلان عن الآتفاق السري كي لا يفشله نتنياهو.