لبنانيات >أخبار لبنانية
الخطيب رفض العفو عن اي مجرم خان الوطن: اخجلوا من تصرفاتكم يا من أوصلتم البلاد الى الإفلاس والناس الى الجوع
الخطيب رفض العفو عن اي مجرم خان الوطن: اخجلوا من تصرفاتكم يا من أوصلتم البلاد الى الإفلاس والناس الى الجوع ‎الجمعة 29 أيار 2020 14:09 م
الخطيب رفض العفو عن اي مجرم خان الوطن: اخجلوا من تصرفاتكم يا من أوصلتم البلاد الى الإفلاس والناس الى الجوع

جنوبيات

وجه نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى علي الخطيب رسالة الجمعة، وجاء فيها: "ان ما يجري اليوم في بلادنا وفي العالم من احداث مؤلمة ومقلقة وما يعانيه الوضع الدولي من فوضى اقتصادية وصحية سببته جائحة كورونا، وعدم استقرار اجتماعي وسياسي وامني، وما تعانيه الانسانية من قهر وجوع وظلم ليست الا نتائج لهذه الحضارة المادية البائسة وقيمها اللاخلاقية واللانسانية الخالية من الروح التي امنت من وجود رقيب وحسيب عليها، ما يجعلها تتصرف بكل جرأة وقسوة طالما انها ترى ان ذلك يحفظ لها هيمنتها على الموارد الاستراتيجية التي تهيء لها اخضاع الآخرين وتؤمن ديمومة سيادتها وتمنع نشوء أي قوة تنازعها قوتها وهيمنتها وسيطرتها او تشاركها ذلك او تحد منها".

أضاف: "ان نزعة السيطرة والاخضاع للآخرين وحب التسيد عليهم واستعبادهم ليست نزعة فردية فحسب، وانما تتعدى ذلك الى الأمم والجماعات، ولقد كانت هذه النزعة دائما هي القوة الخلفية الدافعة لكل النزاعات والحروب على مر التاريخ منذ وجد الانسان وكان فردا الى ان نشأت الجماعات وتشكلت الدول، وقد يحدثنا الله سبحانه وتعالى عن هذه الحقيقة في قصة ابني آدم، اذ قرب كل منهما قربانا لله سبحانه، فلما تقبل من احدهما ولم يتقبل من الآخر توعده بالقتل ثم اقدم على فعل ذلك "فسولت له نفسه قتل اخيه" وهذه النزعة (أعني حب السيطرة والتسيد ) ظاهرة مشهودة، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد من ضربه لهذا المثل ان ينبه الناس الى خطورة هذا الشعور ونتائجه السلبية على حياة البشر وعلى الدور الذي انيط بهم القيام به في هذه الحياة من أعمار الارض وتحقيق الاستقرار والامن والعدالة التي لن تحصل الا بالتعاون والمحبة والتقوى، وهذه المعاني والمفاهيم لا معنى لها ولن تتجسد الا من خلال الايمان بالله سبحانه وتعالى الذي له السيادة الحقيقية، وله الملك والملكوت، ومع فقد هذا الايمان في نفس الانسان، فان الانسان لا محالة مع شعوره بالقوة لن يجد ما يحد من طموحه ولن يسمح له هذا الشعور ان يتخيل النتائج السلبية التي سيجنيها والتي ستظهر على شكل صراعات مستمرة بين الافراد وبين الجماعات وبين الامم وبين الدول من اجل الحصول على الغلبة والسيطرة، وما يترتب على ذلك من ازهاق للارواح ومن تدمير وتخريب لما سعت البشرية في تحقيقه وبذلت من اجله الجهد الكثير، وكلف الانسانية اثمانا باهظة وأضاع جهود ها سدى على مدى أجيال، كان يمكن ان تحقق لها التقدم والنمو على اكثر من صعيد فيما لو انفقت تكلفة هذه الصراعات في مجهودات انسانية ترفع عن الانسانية ما يثقل كاهلها من المشاكل والازمات".

وتابع: "ان هذه التجارب تكررت في حياة الانسانية وبنت حضارات ضخمة ثم ما لبثت ان تلاشت لتنشأ أخرى، وهكذا دواليك وكان السبب الاكبر في ذلك الصراعات التي تنشأ بين الامم والشعوب لما ذكرنا من اجل السيطرة والاستحواذ".

واردف: "ان منطق الدين شخص المشكلة الانسانية الاساسية في هذه النقطة بالذات، وهي السيطرة والتملك الذي يتعدى حدود المنطق، وهما غريزتان من جملة الغرائز التي يحملها الانسان ان لم يستطع الانسان ان يسيطر عليها جرته الى المهالك، فهو يحب ان يأكل بمقدار، ان تجاوزه سيؤدي به الى المرض، وان يستخدم قوته في حدود الدفاع عن النفس وان تجاوز ذلك سيؤدي الى الصراع مع الاخرين وقد يؤدي به الى الهلاك، وان ينفق بمقدار والا ينفق كل ما لديه فانه سيؤدي به الى الهلاك، اذا فحياة الانسان السليمة واستقراره بحاجة الى ان يكون لديه القدرة على الحد من هذه الغرائز وان يكون لديه القدرة والتي تمكنه من السيطرة عليها واستخدامها في نطاق تحقيق مصلحته، وان اهم ما يمكن الانسان من السيطرة على نفسه الامارة بالسوء، وهي تعبير اخر عن هذه الغرائز المتفلتة من اي عقال، هي ان يعرف الانسان حقيقة وجوده في هذه الحياة سدى".

وتابع: "قال تعالى "أفحسبتم انى خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون"، اضافة الى ما حدثنا به عن قصص الامم الغابرة وما سببه عصيانها واتباعها لشهواتها وغرائزها من دمار، لقد حرص الاسلام كما الاديان من قبله على تبيان هذه الحقيقة وعمل على تجذير هذا الوعي لدى الانسان وهي ان وجوده في الحياة ليس وجودا عبثيا بل هو لغاية نبيلة، وان هناك مسؤولية سيحاسب عليها ويطالب بها من قبل الله تعالى عز وجل حينما ينقضي الاجل الذي اعطاه له في هذه الحياة، والفرصة التي منحها له والفسحة التي انعم عليه بها، وان عليه ان يقوم بناء على هذه الحقيقة بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه، وهي مهمة اعمار الارض كما اسلفنا، ان هذه المهمة لن تحقق الا على قاعدة "وتعاونوا على البر والتقوى"، وخلاف ذلك هو تعاون على الاثم والعدوان الذي يؤدي الى الصراعات والانجرار الى سفك الدماء وعدم الاستقرار والتخلف عن القيام بالوظيفة الالهية من وجوب العمل على ما ينفع الانسان، وبعبارة اخرى الانطلاق في هذه الحياة بالتخلي عن حب الذات وحب السيطرة لانه بإيمانه عرف ان السيطرة المطلقة لله سبحانه وان الفسحة المعطاة له هي للاختبار وبمخالفته لما امره الله تعالى به ستكون النتيجة هي الافساد في الارض بدل الاصلاح".

وقال: "لقد كانت التجربة البشرية تجربة مريرة وبائسة وذات نتائج مؤلمة وباهظة الثمن رغم ما انعم الله تعالى عليها من بعثه الانبياء والشرائع لتنبيهها كي تتلافى هذه النتائج والوقوع في هذه الأخطاء الخطيرة في نتائجها، لانها تتعلق بمصير الامم والشعوب والمجتمعات البشرية، كما ان لها نتائج كارثية على مستوى ارتداداتها المستمرة في الزمان والمكان الى مسافات زمنية غير محدودة، وللاسف فان ما نعيشه اليوم في عصرنا الحاضر ليس الا استمرارا لهذا السير الخاطىء وتكرارا التجارب البشرية الفاشلة بكل مآسيها ونتائجها وكوارثها على كل المستويات، نحتاج للخروج منها الى معجزة الهية".

وتطرق الشيخ الخطيب الى الأوضاع المحلية، فقال: "ان المشهد المؤسف الذي أظهره بعض الاطراف السياسية اللبنانية يوم امس في مجلس النواب اللبناني نتيجة الحسابات الفئوية الخاصة وكأن لبنان يعيش في وضع طبيعي والمواطنون اللبنانيون يعيشون حياة طبيعية وفي بحبوبة، ان هذا المشهد المؤسف يظهر لنا مستوى الانحدار في تحمل المسؤولية. ففي الوقت الذي يجب اظهار الجدية في العمل من اجل حل معاناة اللبنانيين والاسراع في ايجاد التشريعات الضرورية للإصلاح، رأينا التمثيليات والمحسوبيات والمناطقية والطائفية والزبائنية، لذلك نقول لهم: اخجلوا من تصرفاتكم يا من اوصلتم البلاد الى الإفلاس والناس الى الجوع وتصرفوا بمسؤولية حتى يستعيدوا احترامكم امام العالم ، فالناس تنتظر الاصلاحات بفارغ الصبر ورغم الوصول الى بعض الانجازات التشريعية الا ان موضوع قانون العفو المنصف يتم التعاطي معه بطريقة غير وطنية وغير انسانية وخارج كل منطق سليم. انه نفس المنطق الذي ادى الى خراب البلد والى الوضع المذري الذي يعيشه المواطنون، جربوا ولو لمرة واحدة ان تتعاطوا بشكل وطني لائق يا من شوهتم المفاهيم الوطنية".

واكد "ان لبنان الوطن النهائي لجميع بنيه، والموحد في أرضه وشعبه ومؤسساته من الثوابت والمسلمات الوطنية التي لم ولن نسمح لاحد بتجاوزها تحت اي عنوان؛ من هنا فإننا نرفض بشدة اي دعوة تستبطن التقسيم ونشجب كل فعل يهدد وحدتنا الوطنية وعيشنا المشترك وسلمنا الاهلي. كما، ونرفض اي عفو عن قاتل او مجرم اقترفت يداه فعل خيانة بحق الوطن بمكوناته من شعب و جيش وقوى الأمنية ومقاومة؛ فهذه المعادلة يجب أن تكون حاضرة في تشريع اي قانون يتعلق بالعفو؛ ولا سيما أن لبنان مستهدف من المشروع الصهيو أميركي الذي أنتج لنا أدوات عملية ارتكبت مجازر وجرائم لا يعفي عنها مرور الزمن. فالارهاب التكفيري والصهيوني وجهان لعملة واحدة هدفها تدمير لبنان من خلال القتل والتشريد والقهر واخضاعه لمشاريع خارجية، وذاكرتنا لا تزال تختزن من الصور المرعبة والمؤلمة التي اقترفتها هذه الأدوات الخائنة بما لا يمكن إزالتها ونسيانها. دماء الشهداء والجرحى اقوى واغلى من كل المصالح الضيقة لأنها صاحبة الفضل في وجود لبنان المحرر والمستقر".

وختم الخطيب: "ان لبنان امانة في اعناقنا جميعا، ومسؤوليتنا الدينية والأخلاقية والوطنية ان نحافظ عليه بحفظ شعبه ووحدته وسيادته واستقراره، وعلينا ان لا نتوانى عن توخي كل الوسائل وبذل كل الجهود التي تحفظ استقراره وتسهم في ازدهاره وتقدمه، من هنا فاننا نشدد على دور المؤسسات وتعاونها وتفعيلها خدمة لمصالح لبنان وشعبه".

المصدر :