25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم سرُّ مفتاح الجنط!
سرُّ مفتاح الجنط!
جنوبيات
2025-09-13
سرُّ مفتاح الجنط!

هذه القصّة الطّريفة رواها لي أحد الأصدقاء المشهود لهم بالحسّ الأدبيّ والفهم العميق قائلا:
في قديم الزّمان، وعلى خطِّ بيروت – بعلبك،
كان هناك سائقُ سيّارةِ أجرةٍ عموميّة يُدعَى (أبو جعفر)، ينقل الركّابَ بين المدينتَين.

وفي أحدِ الأيّام شديدِ الحرّ، انطلق أبو جعفر من بيروتَ متّجهًا إلى بعلبك. وعند مفرق الكحّالة أشار إليه رجلٌ يريد الركوب، فتوقّف وقال للركّاب في المقعد الخلفيّ:
«دَبِّروه عندكم يا جماعة، فالحرارة في الخارج لا تُطاق.»

فقال أحدُ الركّاب، وكان يرتدي بدلةً أنيقةً وربطةَ عنقٍ:
«المقاعدُ الخلفيّة ممتلئة، لا مكان لراكبٍ آخر.»

فزجره أبو جعفر صارخًا:
«اصمُتْ ولا تنطِقْ بحرفٍ واحدٍ يا أفندي! هذا الرّاكب سيصعدُ شئتَ أم أبيت… وإن أكثرتَ الكلامَ فسأحطِّم رأسَك!» (ولوَّح بمفتاحِ الجنط).

فاضطرّ الرّجلُ إلى الصّمت، وصعد الرّاكبُ الرّابع، وضاق بهم المكانُ حتى كادت عظامُهم تتكسّر.

واصل أبو جعفر طريقه، حتى بلغ عاليه، فأشار إليه رجلٌ آخر يريد الركوب، فتوقّف وقال للركّاب:
«دَبِّروه عندكم، الحرُّ شديد!»

فما كان من الرجل الأنيق إلا أن اعترض ثانيةً، فصاح به أبو جعفر:
«ألَمْ أقلْ لك أن تَصمُت؟! وإلّا فَسأفجُّ رأسَك بهذا المفتاح!»

فصعدَ الراكبُ الخامس، واشتدّ الزِّحامُ حتى التصقَت الأكواعُ بالصدور، وتألّم الركّابُ غاية الألم، إلى أن وصلوا إلى بعلبك.

وفي اليوم التّالي، ما إنْ صفَّ أبو جعفر سيّارته في كراج بعلبك، حتّى أحاطت به الشرطةُ، وقَيّدوه، وساقوه إلى المحكمة، وهو يصرخُ:
«ماذا فعلتُ؟! لماذا تُمسكون بي؟!»

فقالوا له:
«ستعرف الآن… القاضي سيُخبرك.»

ولمّا وقف أمام القاضي، كانت المفاجأةُ الكبرى: فقد كان القاضي نفسُ الرجل الأنيق الذي ركب معه بالأمس، والذي هدّده أبو جعفر بمفتاح الجنط!

فقال القاضي مبتسمًا:
«إي يا أبا جعفر… أما زلتَ تريد أن تفجَّ رأسي بمفتاح الجنط؟!»

فابتسم أبو جعفر وقال:
«واللهِ يا سيّدي، بالأمس كان المفتاحُ بيدي… واليوم صار بيدك… وأنتَ ومروءتُك يا صاحبَ المروءة!»

فضحك القاضي حتى كاد يسقطُ عن كرسيّه، ثم قال:
«اذهبْ… ولا تُعِدْها ثانيةً.»

صفوة القول:

تذكَّر دائمًا أن السلطةَ، والقوّةَ، وأدواتَ النفوذ لا تدوم في يد أحد.
فاليوم قد يكون "المفتاح" بيدك، تُقرِّر به مصائر الناس، وغدًا قد ينتقل إلى يد غيرك، فيُصبح الحكم عليك كما حكمتَ أنت بالأمس.

إنّها دوامة الحياة؛ لا مكان فيها للغرور أو الطغيان.
فمن امتلك القوة، فليُحسن استعمالها بحِلمٍ ورَحمة، لأنّ الأيام دول، وكرامةَ الإنسان لا يجوز أن تُهدَر في ساعةِ غضب.

أخبار مماثلة