في زحام الحياة اليومية، حيث تمضي الوجوه مسرعةً وتضيع التفاصيل الصغيرة في عجلة الوقت، قد يمرّ مشهدٌ عابرٌ لا يلتفت إليه أحد، غير أنّه يحمل في طيّاته من المعاني ما يوقظ الضمير ويعيد ترتيب موازين الإنسان.
دخل صبيٌّ لم يتجاوز العاشرة من عمره إلى محلٍّ لبيع "الأيس كريم". بدت على ملامحه آثار الفقر، لكنه كان مرفوع الرأس، هادئ الخطى، كأنّ في داخله عالمًا من الصبر والرضا.
جلس إلى طاولةٍ صغيرة، فتقدّمت منه الموظفة وسألته، بنبرةٍ جافة لا تخلو من ضيق، عمّا يريد. رفع إليها نظره، وقال ببراءة:
– بكم "الأيس كريم" بالكاكاو؟
فأجابته ببرود:
– بخمسة دولارات.
أخرج الصبي ما في جيبه، وراح يعدّ نقوده القليلة، فيما كانت نظراتها تحمل شيئًا من الاستعلاء والضجر. ثم سألها مرةً أخرى:
– وكم ثمن "الأيس كريم" العادي؟
فأجابته بحدّة:
– أربعة دولارات.
ساد صمتٌ قصير، بدا فيه أنّ الطفل يوازن بين رغبةٍ صادقة وإمكانٍ محدود. وبعد لحظاتٍ من التفكير قال بهدوء:
– حسنًا، أريد "الأيس كريم" العادي.
تناول طلبه على مهل، وكأنّه يقتنص فرحته الصغيرة بحرص، ثم أنهى ما طلب، ودفع الحساب، وغادر المكان في هدوء، من دون أن يلفت انتباه أحد.
لكنّ المشهد الحقيقي بدأ بعد رحيله.
فعندما عادت الموظفة لتنظيف الطاولة، وجدت دولارًا واحدًا موضوعًا بعناية. عندها فقط انكشفت الحقيقة؛ فقد اختار الصبي أن يقتصد في رغبته، ليترك إكراميةً لمن لم تُحسن استقباله.
في تلك اللحظة تبدّلت النظرة، واغرورقت العينان. وأدركت أنّ الغنى ليس بما نملك، بل بما نجود به، وأنّ القلوب الكبيرة قد تسكن أجسادًا صغيرة لا يلتفت إليها الناس.
وعليه:
لا تقيسوا الناس بظاهرهم، ولا بما في أيديهم، بل بما تفيض به أخلاقهم. فكم من إنسانٍ يملك الكثير ولا يمنح شيئًا، وكم من آخر لا يملك إلا القليل، فيجعله عطاءً يليق بكرامة الإنسان.