ذاتَ يومٍ أُعجِبَ الناسُ بكثرةِ المصلّينَ في أحدِ المساجد، وكانَ أحدُ الصالحينَ يؤمُّهم، فقالوا له:
ـ تخيَّل يا إمامُ كم عددُ المصلّين؟
فقال: لا أحد!
ومن هولِ المفاجأةِ من هذهِ الإجابة، قال لهُ بعضُهم في جفاءٍ:
ـ هل أنتَ أعمى؟
وكانَ سؤالُهُ هذا فيهِ من قلّةِ الأدبِ ما تخجلُ منهُ النُّفوسُ الرّضيّة. لكنَّ الإمامَ الصالحَ أجابَ بثقةِ المتّقينَ:
الأعمى مَن يُغمِضُ عينَيه عن أرملةٍ أوجعَ رأسَها حملٌ ثقيل.
الأعمى مَن توجَّه للقبلةِ وأدار ظهرَه لليتامى والفقراءِ والمساكين.
الأعمى مَن سجدَ للهِ وتكبَّرَ على عبادِ الله.
الأعمى مَن حضرَ في الصفِّ الأوّلِ في المسجد، وغابَ عن صفوفِ الجياعِ وقولِ الحقّ.
الأعمى مَن تصدَّقَ يومًا، وهو قادرٌ أن يتصدَّقَ دَومًا.
الأعمى مَن صامَ عن الطعامِ، ولم يصُم عن الحرام.
الأعمى مَن طافَ بالبيتِ الحرام، ونَسي أن يطوفَ حول فقراءِ يموتون كلَّ يومٍ من شدّةِ العوز.
الأعمى مَن رفعَ الأذان، ولم يرفع أبويه.
الأعمى مَن صلّى وصام، ثمّ غشَّ في بيعِه وشرائِه.
الأعمى مَن قامَ بين يدي الله، وقلبُه يحملُ حقدًا وكرهًا وبُغضًا واحتقارًا لإخوانِه المؤمنين.
الأعمى مَن انفصمت عبادتُه عن أخلاقِه ومعاملاتِه.
الأعمى مَن صلّى وسجد وصام، وهو يظلمُ ويُناصرُ الظّلم.
الأعمى مَن صلّى وصام، ويداه ملوّثتانِ بدماءِ عبادِ الله.
الأعمى مَن صلّى ولم ينتفِعْ بصلاتِه.
الأعمى مَن أخذَ من الدّين بعضَه وتركَ بعضَه.
قال تعالى:
{وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.
فخيمَ الصّمتُ على الحاضرين، إذ لا يخلو أحدٌ من نقصٍ أو ذنب.
ولم نزل ـ إلى يومنا هذا ـ على هذه الحال؛ فالعُميانُ قد كَثُروا، وأهلُ البصيرةِ قد قلّوا. وفي هذا نقول: إنَّ أكثرَ ساستِنا وقادتِنا قد أصابَهم العَمى والعَمَه، والصَّمَمُ والبَكَمُ عن قولِ الحقِّ والحقيقة.
وعُذرًا للكفيفِ الذي يركضُ خلفَ الرغيفِ في بلدِ الحرمانِ والطغيان، وانهيارِ مقوّماتِ الكيان.
رحماكَ يا الله، أنقِذْ لبنانَ من براثنِ الذئابِ التي تأكلُ لحومَ البشر. وعسى أن يصحو المواطنُ من غفوتِه، ويحاربَ الفجّارَ من أجلِ لقمته.