25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "الحقيقة هي الفعل"!
"الحقيقة هي الفعل"!
القاضي م جمال الحلو
2025-09-19
"الحقيقة هي الفعل"!

يُروى عن الفيلسوف الإيطالي "جيامباتيستا فيكو" قوله: إن الحقيقة تُفهم من خلال "الواقع الفعلي".

 عبارة موجزة لكنها تفتح أفقاً واسعاً للتأمّل في معنى الحقيقة ودورها في حياتنا الفرديّة والجماعيّة. فالحقيقة ليست نصاً محفوظاً في بطون الكتب، وليست جدلاً محتدماً بين العقول، ولا هي تأملاً ذهنيا مجردا يسبح في فضاءات النّظريّة؛ إنما تكمن حقيقتها في الفعل، في الحركة، في التّجربة التي تخرج من حيّز القول إلى ميدان الإنجاز.
 
لقد علّمنا التّاريخ أن الأمم لم تُبنَ بالخطابات ولا بالشّعارات، بل بالفعل الصّغير الذي تكرّر حتى صار مشروعا كبيرا. 
أبسط الأفعال، حين تُنجز بوعي، قادرة على أن تخلق حقيقة راسخة، وأن ترسم ملامح واقع جديد. فإيماءة إنسانيّة صادقة، أو مبادرة متواضعة، قد تكون أكثر صدقا وأبعد أثرا من آلاف الكلمات المنمّقة التي لا تجد طريقها إلى التّنفيذ.
 
إن ثقافتنا العربيّة، التي طالما أولت القول منزلة عالية، أحوج ما تكون اليوم إلى إعادة الاعتبار لـ"فضيلة الفعل". فالكلمة الجميلة لا تُثمر ما لم تسندها حركة تُجسّد معناها، والنيّة الطيّبة لا تُثمر ما لم يرافقها جهد يسعى إلى تحقيقها. نحن بحاجة إلى أن نسلّط الضّوء على جدوى الأفعال البسيطة التي نمارسها في حياتنا اليوميّة، تلك التي تبني بهدوء ورويّة خطواتنا نحو الغايات الكبرى.
الحقيقة إذن ليست فكرة مجرّدة تلمع في الذّهن، بل هي تجربة تُختبر في الواقع. وكلّ فعل صادق، مهما بدا صغيرا، إنما هو لبنة في صرح الحقيقة. ولعلّ أعظم ما يمكن أن نتعلمه أن نُحوّل وعينا إلى ممارسة، وأحلامنا إلى مشاريع، وكلماتنا إلى خطوات ملموسة على طريق التّغيير.
إن عصرنا لا يحتاج إلى مزيد من الجدل بقدر ما يحتاج إلى مزيد من العمل. فالحقائق الكبرى لا تُكتب بالحبر فقط، بل تُرسَم بأفعالنا اليوميّة، وتُشيَّد بعرقنا وصبرنا وإصرارنا. والحقيقة، في نهاية المطاف، لا تُقال… بل تُفعل.

أخبار مماثلة