أيّامُ الطُّفولةِ صفحةٌ ناصعةٌ في كتابِ العمرِ، لا تَبهتُ ألوانُها، ولا يَغشاها غُبارُ النسيان. فيها الحنانُ الغامرُ من أُمٍّ تُعطي ولا تَنتظرُ جَزاءً ولا شكورًا؛ تُظلِّلُنا برعايتِها، وتَسكُبُ في قلوبِنا سكينةً لا يُطالُ مبلغُها. كانت تَنهضُ قبلَ الفجرِ، تُعِدُّ لنا رغيفَ الخبزِ الدافئَ، وتَزرعُ في صدورِنا الأمانَ بلمسةِ يدٍ وابتسامةِ وجهٍ، كأنَّها سَحابةُ ربيعٍ تُظلِّلُ صِغارَها بالندى.
وأبٌ كادحٌ، يُصارعُ الدُّنيا ليَصونَ لنا عيشًا كريمًا، يَغدو إلى عملِه مع إشراقةِ الشمسِ، ويَعودُ وقد أثقلَتْه أعباءُ النَّهارِ، غير أنّ عينيه كانتا تَفيضَانِ بفرحٍ كلّما لَقِيَنا. في جبينِه وَمَضُ العَناءِ، وفي قلبِه شُعلةُ المحبّةِ، علَّمنا أنَّ الرِّجالَ عَزمٌ وصبرٌ ونُبلٌ.
وكان لنا جَدٌّ طيّبٌ، شيخٌ وقورٌ تَحملُ ملامحُه مَهابةَ السنينِ ورِقّةَ القلبِ. عَلَّمنا الأدبَ قبلَ العلمِ، وغرسَ فينا مكارمَ الأخلاقِ كما تُغرسُ الأشجارُ في تُربةٍ خصبةٍ. كلُّ كلمةٍ من لسانِه كانت وَصيّةً، وكلُّ تصرُّفٍ منه كان مدرسةً. وبجانبِه جَدَّةٌ حنونٌ، بيديها رهافةُ الملائكةِ، تُطعمُنا أطيبَ الطعامِ، وتُحلّي أيّامَنا بزكاءِ الحلوى وبحكاياتِها التي تَنسابُ في ليلِ المدينةِ الحالمةِ كجدولٍ رقراقٍ.
وفي كَنَفِ الأسرةِ الكبيرةِ، كان للأخوّةِ طَعمٌ خاصٌّ؛ ثمانيةُ إخوةٍ وشقيقتان، نتقاسمُ اللقمةَ واللعبةَ والضحكةَ، ونَختلفُ صغارًا لكنَّنا نَلتئمُ كأصابعِ اليدِ الواحدةِ. كانت أيّامُنا تُزهرُ بصداقاتِ الحيِّ ورفاقِ المدرسةِ الابتدائيةِ، حيثُ الكتابُ مَحطٌّ للجدِّ، والفِناءُ ميدانٌ للهوِ. كم دَحرجنا كرةً في الأزقّةِ الضيّقةِ، وكم سبحنا في بحرِ بيروتَ، كأنَّ أمواجَه كانت تُصفِّقُ لنا وتُباركُ بَراءتَنا.
تلك الأيّامُ كانت سَلامًا نقيًّا، وراحةَ بالٍ تُشبهُ النَّسيمَ العليلَ. فيها السكينةُ تَسكنُ الأرواحَ، فلا هَمٌّ يُثقلُ الكتفين، ولا قَلقٌ يَسلُبُ النومَ من العيون. كانت الحياةُ بسيطةً، لكنّها زاخرةٌ بمعانيها؛ كان القلبُ ممتلئًا بالمحبّةِ، والنفسُ مَزهُوّةً بالرضا.
آهٍ، ما أجمَلَ تلك الأيّامَ!
إنّها جَواهرُ عُمْرٍ لا تُقَدَّرُ بثمنٍ، تُضيءُ الدربَ كلّما تقدَّمَ بنا الزمنُ، وتُذكّرُنا أنّ السعادةَ ليست في وفرةِ الأشياءِ، بل في صِدقِ المشاعرِ ونقاءِ القلوبِ.