الحياةُ في جوهرِها ليستْ ساحةَ صراعٍ عشوائيّ، ولا هي مَيدانَ فوضى تُستَهلَك فيه الطاقاتُ وتَتَبَدَّدُ المعاني، بل هي نَسقٌ بديعٌ يقومُ على قانُونٍ خَفيٍّ ظاهرٍ معًا، هو قانونُ الاتِّزان.
هذا القانونُ يَفرضُ على الإنسانِ أن يُدرِكَ المراتبَ حقَّ إدراكٍ: فلكلِّ شيءٍ قيمةٌ في ذاته، ولكلِّ تفصيلٍ موضعٌ بقدرِه، فإذا بُدِّلَت المراتبُ اختلَّتِ المعادلةُ، وضاعَ الحقُّ بينَ فائضٍ من صَغائرَ ونقصٍ في كبائر.
إنَّ الجوهرَ هو المِحورُ الذي تدورُ حولَهُ الفروعُ والتفاصيلُ، وهو الأصلُ الذي تُستمدُّ منه الغاياتُ والمعاني. فإذا غُيِّبَ الجوهرُ أو استُبدِلَ بالتفاصيل، عشنا وهمًا مُزخرفًا يخلو من الحقيقة. وأمَّا التفاصيلُ فهي خَدَمٌ للمعنى، زِينَةٌ للهيكل، تُكْمِلُه ولا تُزاحِمُه، فإذا جاوزَتْ قَدْرَها صارت حِجابًا يُعمي عن المركز.
وقانونُ الاتِّزانِ لا يقتصرُ على الفكرِ أو الفلسفةِ، بل هو ناموسٌ في كلِّ ميدان: في العلمِ كما في الفنِّ، في العدلِ كما في السِّياسة، في العِبادةِ كما في العِمران. فمن غَلَّبَ العَرَضَ على الجوهرِ ضلَّ، ومن أهملَ التفصيلَ بحجَّةِ الاكتفاءِ بالجوهرِ أخلَّ. والميزانُ الحقُّ هو أن تُعطَى كلُّ مرتبةٍ حقَّها من غير إفراطٍ ولا تفريط.
إنَّ أزَماتِ العقولِ والأممِ في كثيرٍ من الأحيان إنما تنشأُ من إخلالٍ بهذا القانون: حينَ تُرفَعُ القشورُ إلى مقامِ اللبابِ، أو حينَ يُسقَطُ التفصيلُ إهمالًا فيتصدَّعُ البنيان. ولو أدركَ الناسُ أنَّ حفظَ المراتبِ سُلَّمٌ إلى النُّضجِ والرُّشد، لانتظمَت حياتُهم في نسقٍ أبهى وأصفى.
فالجوهرُ لا يُغني عن التَّفصيلِ، كما أنَّ التَّفصيلَ لا يَصلُحُ بديلًا عن الجوهرِ. وبينَ هذا وذاك يُولدُ قانونُ الاتِّزان: أن تُعطِيَ الكبيرَ كِبَره، والصَّغيرَ صِغَره، فلا تُبدِّلُ المراتبَ، ولا تَخلِطُ بين الأصلِ والعَرَض.
وبهذا يُحفَظُ المعنى، ويَصُونُ الإنسانُ عقلَه وقلبَه من غوائلِ الفوضى، ويُدرِكُ أنَّ الحكمةَ كلَّ الحكمةِ في هذا الميزان: وَضْعُ الأشياءِ في مواضِعِها.