كتب المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، في افتتاحية مجلة الأمن العام، العدد 145 تشرين الأول 2025:
"تمر منطقتنا في واحدة من أكثر اللحظات التاريخية خطورة وتعقيداً، لحظة تختلط فيها الحقائق بالتهديدات، وتتراجع فيها القوانين أمام منطق القوة، حيث يتبدى الانفلات الإسرائيلي على نحو غير مسبوق.
فإسرائيل، التي لم تلتزم يوما قرارات الشرعية الدولية، تجاوزت اليوم كل المعايير الإنسانية والأخلاقية، وجعلت من سياساتها العدوانية نهجاً ثابتاً يرمي إلى تفكيك منظومة الاستقرار في المنطقة بأسرها، ولم يعد الأمر مجرد خرق للقوانين أو مخالفة للمواثيق، بل تحول إلى تهديد مباشر لمفهوم الدولة والكيان وإلى استباحة متعمدة للسيادة العربية.
ولبنان، كما كان دائماً في قلب هذه العاصفة، بلد صغير جغرافياً، لكنه محوري بحكم موقعه ورسالة وجوده، يتأثر بالحرائق المشتعلة من حوله، لكنه يرفض الانكسار أمامها.
وسط هذه المواجهة، يبرز دور القيادة الوطنية المتمثلة برئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي يثبت يوما بعد يوم، أن الحكمة قادرة على تجنيب لبنان الانزلاق نحو المجهول فبالتكامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، تنسج شبكة أمان متينة هدفها الحفاظ على الكيان اللبناني في حدوده المعترف بها دولياً، وصون الدولة ومؤسساتها، وحماية الشعب من محاولات الاستباحة والابتزاز، إنها مسؤولية كبرى، تتطلب وعياً عميقاً بأن لبنان ليس مجرد ساحة، بل وطن يستحق البقاء.
وقد جاء العدوان الإسرائيلي على قطر ليشكل ناقوس خطر غير مسبوق، إذ تخطى حدود الضغط التقليدي إلى محاولة اغتيال فكرة الحوار نفسها.
فالهجوم على دولة جعلت من الوساطة والتفاوض رسالة ودوراً، كان في جوهره محاولة لتصفية قيم الحل السلمي من الأساس.
لكن ما استوقف الجميع هذه المرة، أن الرد العربي جاء مختلفاً، فمن قمة الدوحة إلى أروقة الأمم المتحدة، ارتفع صوت واحد يجمع بين الحكمة والحزم، كان ذلك الصوت مثابة نقطة انعطاف أعادت الاعتبار إلى فكرة التضامن الفعلي، ودفعت إلى مسار مغاير لما اعتدناه من ردود أفعال شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع. لقد بدا واضحاً أن زمن الاكتفاء بالشجب قد ولى، وأننا أمام وعي جديد بضرورة الانتقال إلى المبادرات الفاعلة.
انطلاقاً من ذلك، تبرز الأولوية المطلقة لاستنفار كل الطاقات العربية، بكل تجلياتها ومستوياتها، من السياسة إلى الاقتصاد ومن الأمن إلى الثقافة، من اجل صوغ منظومة أمن قومي عربي.
هذه المنظومة ينبغي أن تكون الدرع الحصينة التي تحمي شعوبنا، والردع الفعال أمام أي قوة تفكر في العبث بالتوازنات وفق مصالحها وأهوائها.
الأمن القومي العربي في هذا السياق، أصبح خياراً وجودياً تفرضه الوقائع القاسية، فالمخاطر التي تهددنا لم تعد نظرية أو بعيدة، بل هي يومية ملموسة، ومفتوحة على احتمالات كارثية إذا لم نواجهها برؤية مشتركة وإرادة جماعية.
ولبنان، الذي خبر مرارة الاعتداءات الإسرائيلية وذاق كلفة الاحتلال والاستباحة أكثر من مرة ولم يزل يمتلك ما يؤهله ليكون جزءاً أصيلاً في بناء هذه المنظومة الجديدة، فمن خلال خبراته المتراكمة في الصمود والمواجهة بكل أوجهها، ومن خلال طاقاته البشرية التي أثبتت قدرتها على تحويل الألم إلى فرصة، يستطيع لبنان أن يشارك في صياغة معادلة الأمن القومي العربي، ليس من موقع الدفاع عن نفسه وحسب، بل من موقع المساهمة في حماية العمق العربي ككل، فلبنان الرسالة، الذي دفع أثماناً باهظة ليحافظ على استقلاله وكرامته، قادر على أن يحول معاناته إلى قيمة مضافة في المشروع العربي الأشمل.
التحديات بلا شك كبيرة، والمعارك مفتوحة على أكثر من جبهة لكن الأمل أكبر طالما أن هناك إرادة صلبة تقود السفينة بحكمة وتحاول تحويل لحظة الخطر إلى فرصة لاستعادة زمام المبادرة، لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الشعوب التي تملك الشجاعة في مواجهة الواقع كما هو، وتملك الرؤية لاستشراف المستقبل كما يجب أن يكون هي وحدها القادرة على النجاة وصنع الفارق. التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يكافئ المنقسمين، بل يكتب سطوره بأحرف من نور لأولئك الذين امتلكوا شجاعة الموقف ورؤية المستقبل.
اليوم نحن أمام منعطف حاسم حيث يتقرر مصير منطقتنا بين أن تكون ساحة مستباحة أو أن تصبح درعاً منيعة.
الخيار واضح، الأمن القومي العربي لم يعد حلما مؤجلا، بل هو حق وضرورة، وهو قبل ذلك كله شرط البقاء ذاته".