منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض، كُتب عليه أن يعمل.
فالعمل ليس مجرّد وسيلة للعيش، بل هو سُنّة الحياة، وميزان الكرامة، وصوت الوجود الذي يعلن أن صاحبه ما زال حياً، متحركاً، فاعلاً في مجراه الزمني.
العمل، وإن أرهق الجسد، يُنعش الروح، ويمنح العقل هدفاً يتشبّث به كي لا يسقط في هاوية العدم.
قد يكون العمل شاقّاً، قاسياً، يُتعب اليد والكتف والعين، ولكن ما من تعبٍ أشد من تعب الفراغ.
فالعامل الذي يكدّ من أجل لقمة عيشه ينام راضياً، يغمض عينيه على إحساسٍ بالجدوى، بينما العاطل الذي يملك الوقت كله ولا يجد له معنى، يعيش صراعاً داخلياً يأكل أعصابه ببطء، حتى يغدو أسيراً لفكرٍ ميتٍ وجسدٍ بارد.
الفراغ ليس سكوناً جميلاً كما يظنه البعض، بل هو خواء قاتل، يبتلع كل ما هو نبيل في الإنسان: طموحه، حلمه، صبره، وحتى ضميره أحياناً.
فالإنسان حين لا يجد ما يشغله، يبدأ بالانشغال بنفسه، يقلّبها على وجوهها حتى يرهقها، ويمل منها، ثم يغدو عبئاً على ذاته وعلى من حوله.
أما العمل، فهو الذي يُنقذنا من هذا الموت البطيء، ويجعل للوقت معنى، وللحياة طعماً، وللأيام وزناً.
في كل عرقٍ يتصبب، وفي كل فكرة تُنجز، وفي كل جهدٍ يُبذل، هناك لحظة ولادة صغيرة، تُعيدنا إلى جوهر إنسانيتنا.
إن من يهرب من العمل بحجة التعب، إنما يهرب من ذاته، لأنه لا يدرك أن التعب طريق الخلاص، وأن الشقاء في سبيل غاية سامية هو رفاهية الروح الحقيقية. فالعمل لا يقتل، بل يُحيي.
إنه القنديل الذي يبدد ظلمة الأيام، والدرع الذي يحمينا من سُقم الفراغ.
فلنعمل مهما كانت الظروف قاسية، ومهما كان الطريق طويلاً، لأننا بالعمل نحيا حياةً ذات معنى، وبالفراغ نموت ونحن أحياء.