كنت أظن أن البُعد يشفي، وأن المسافات حين تتكاثر بين قلبين، تذيب ما تبقى من الحنين.
لكني اكتشفت أن بعض الوجوه تسكنك كما يسكن الندى وردة الصباح، لا يغادرها إلا ليعود.
كل طريق ظننته خلاصاً، كان سطراً جديداً في حكايتك.
كل محاولة للنسيان كانت جسراً يقودني إليك من حيث لا أدري.
مشيت كثيراً نحو ضوء آخر، نحو وجوه تشبه الدفء، نحو أصواتٍ لا تحمل ملامحك، لكن في النهاية، كان كل شيء يذكّرني بك: الأغاني التي لم نسمعها معاً، الأماكن التي لم نزرها، وحتى الصمت الذي لم نتقاسمه بعد.
أحاول أن أزرع في الذاكرة فصولاً جديدة لا تنتمي إليك، لكنك تنبت بينها كعشبٍ بريّ عنيد، لا يحتاج إذناً ليعود.
في كل خطوة، أراك في التفاصيل الصغيرة، في فنجان القهوة الذي يبرد قبل أن يُشرب، في الطرق التي تتقاطع صدفة مع لحظة تشبهنا، وفي الرسائل التي لم تُكتب، لكنها تزدحم في صدري كل ليلة.
تعلمت أن النسيان ليس قراراً، بل خيانة صامتة بين القلب والعقل.
العقل يقول: "امضِ"، والقلب يرد "لكنَّه هناك".
وحين يتنازع الاثنان، أجد نفسي تائهة في منتصف طريق لا يؤدي إلا إليك، مهما حاولت تغيير الاتجاه.
ربما أنت لعنة جميلة، أو نجمة لا تغيب رغم الغيوم.
وربما كنت الدرس الذي لم يُكتب لي تجاوزه.
لكن ما أعرفه يقيناً هو أنني كلما حاولت إغلاق الباب، وجدت نفسي أفتحه مجدداً لأراك تمر في خيالي، بهدوءٍ يشبه العودة أكثر من الرحيل.
كل الطرق تؤدي إليك، حتى تلك التي سلكتها لأهدم ذكراك.
كأنك البوصلة، وكأن قلبي لا يعرف جهةً إلا أنت.