مَا أَعْجَبَ قَلْبَ الأَبِ!
يَتَّسِعُ لِهُمُومِ الدُّنْيَا كُلِّهَا، وَيَضِيقُ إِذَا رَأَى فِي عَيْنَيْ وَلَدِهِ غَيْمَةَ حُزْنٍ صَغِيرَةً. يُجِيدُ مُوَاسَاةَ الْغُرَبَاءِ وَتَفْكِيكَ عُقَدِهِمْ، وَلَكِنَّهُ يَتَلَجْلَجُ حِينَ يُحَاوِلُ أَنْ يَمْسَحَ دَمْعَةَ ابْنِهِ. هُنَاكَ يَسْتَعْمِلُ بَرْدَ الْعَقْلِ، وَهُنَا يُغَلِّبُهُ حَرُّ الْقَلْبِ. فَلِمَاذَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يُضمِّدَ جِرَاحَ الآخَرِينَ، وَيَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَمِّدَ جُرْحَ وَلَدِهِ؟
لَيْسَ عَسِيراً عَلَى الأَبِ أَنْ يُحْسِنَ النُّصْحَ لِغَيْرِهِ، أَوْ أَنْ يُسَاعِدَ قَرِيناً فِي أَزْمَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْهُ بِحُسْنِ الإِصْغَاءِ وَبَرْدِ الْعَقْلِ وَهُدُوءِ النَّظَرِ. وَلَكِنَّهُ يَتَعَثَّرُ كَثِيراً إِذَا وُجِّهَتْ المُشكلاتُ نفسُها إِلَى وَلَدِهِ. فَمَا سِرُّ هَذَا التَّفَاوُتِ؟
إِنَّ السَّبَبَ الأَوَّلَ هُوَ فَيْضُ الْعَاطِفَةِ؛ فَالابْنُ لَيْسَ غَرِيباً عَنِ الأَبِ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ نَفْسِهِ وَامْتِدَادٌ لِرُوحِهِ. وَمَا إِنْ يَرَاهُ يَتَأَلَّمُ حَتَّى يَضْطَرِبَ قَلْبُهُ، فَيَغْلِب عَلَيْهِ الْوَجْدُ وَيَفْقِد مِيزَانَ الْحِيَادِ. أَمَّا مَعَ الآخَرِينَ فَهُوَ أَكْثَرُ بُعْداً، وَذَلِكَ الْبُعْدُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ أَكْثَرَ عَقْلَانِيَّةً وَأَوْضَحَ بَصِيرَةً.
وَيَزْدَادُ الأَمْرُ تَعْقِيداً بِخَوْفِ الأَبِ عَلَى وَلَدِهِ؛ فَهُوَ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ لِكَلِمَةٍ يَتَفَوَّهُ بِهَا أَثَرٌ غَائِرٌ فِي نَفْسِهِ، فَيُفَرِّط فِي اللِّينِ أَوْ يُفْرِّط فِي الشِّدَّةِ. وَكَثِيراً مَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الصَّمْتِ وَالنُّطْقِ، فَيَفُوتُهُ الْحُسْنَانِ.
ثُمَّ إِنَّ تَوَقُّعَاتِ الآبَاءِ تُثْقِلُ الْمَوْقِفَ، فَهُمْ يَرْسُمُونَ فِي خَيَالِهِمْ صُوَراً عَظِيمَةً لأَبْنَائِهِمْ، فَإِذَا مَسَّهُمُ الضَّعْفُ النَّفْسِيُّ اخْتَلَطَ فِي قَلْبِ الأَبِ شُعُورُ الشَّفَقَةِ بِخَيْبَةِ الأَمَلِ، وَهَذَا الِاخْتِلَاطُ يَجْعَلُ كَلِمَاتِهِ أَكْثَرَ ارْتِبَاكاً وَأَقَلَّ أَثَراً.
وَفَوْقَ ذَلِكَ، يَفْتَقِدُ الأَبُ مَعَ وَلَدِهِ الْمَسَافَةَ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي تُسَاعِدُهُ عَلَى تَشْخِيصِ الْحَالِ بِنَظَرٍ هَادِئٍ؛ فَهُوَ فِي الدَّاخِلِ يَحْتَرِقُ بِالنَّارِ نفسِها، وَالنَّارُ تَحْجُبُ الرُّؤْيَةَ عَنِ الأَشْيَاءِ.
وَأَخِيراً، تَبْقَى سُلْطَةُ الأُبُوَّةِ حَاجِزاً خَفِيّاً، فَكَمْ مِنْ وَلَدٍ يَخْشَى أَنْ يَبُوحَ بِأَعْمَاقِهِ لِأَبِيهِ، مَخَافَةَ أَنْ يُحَاكَمَ أَوْ يُلَامَ. وَبِذَلِكَ تَغِيبُ عَنِ الأَبِ مُفَاتِيحُ النَّفْسِ، فَيَضْعُفُ جُهْدُهُ فِي الْمُسَاعَدَةِ.
إِنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ مَسَاعِدَةِ الآبَاءِ لِلآخَرِينَ وَمُحَاوَلَتِهِمْ إِعَانَةَ أَبْنَائِهِمْ، هُوَ أَنَّهُمْ هُنَاكَ يَقِفُونَ عَلَى الضِّفَّةِ، فَيَرَوْنَ الْمَشْهَدَ بِوُضُوحٍ، وَهُنَا هُمْ فِي الْمَوْجِ نَفْسِهِ، يَتَلَطَّمُونَ بِهِ فَيَعْسُرُ عَلَيْهمُ الإِبْصَارُ.
غَيْرَ أَنَّ الْخُلاَصَةَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا الآبَاءُ، هِيَ أَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تَكْمُنُ فِي التَّجَرُّدِ مِنَ الْعَاطِفَةِ، فَالعَاطِفَةُ هِيَ جَوْهَرُ الأُبُوَّةِ وَمَعْنَاهَا الأَسْمَى. وَلَكِنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَنْ يَعْلَمَ الأَبُ أَنَّ وَلَدَهُ لَا يَطْلُبُ دَوْمًا حَلًّا لِمُشْكِلَتِهِ، بَلْ يَطْلُبُ صَدْراً يَحْتَوِيهِ، وَأُذُناً تُصْغِي إِلَيْهِ دُونَ عَجَلٍ فِي الْحُكْمِ أَوْ شِدَّةٍ فِي التَّقْوِيمِ.
إِنَّ أَسْعَدَ مَا يَجِدُهُ الوَلَدُ عِنْدَ أَبِيهِ، أَنْ يَلْمسَ فِيهِ مَلَاذًا آمِنًا لَا قَاضِيًا يُدِينُ، وَحضْنًا يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ لَا جِدَارًا يُغْلِقُ دُرُوبَهُ. فَإِذَا جَمَعَ الأَبُ بَيْنَ رِقَّةِ الْقَلْبِ وَهُدُوءِ الْعَقْلِ، غَدَا صَوْتُهُ بَلْسَمًا، وَحُضُورُهُ مَرْهَمًا، وَحَنَانُهُ جِسْرًا يَعْبُرُ بِهِ وَلَدُهُ مِنْ مَتَاعِبِ النَّفْسِ إِلَى رَاحَاتِ الطّمَأْنِينَةِ.