طفل يتيم الأب، أصغر إخوانه، أمٌ حنونة أمية، عائلة وطنية، مدينة تشع علماً ومقاومة، مدرسة تحرص على جودة التعليم، معلمون وطنيون أكفاء، جندٌ غرباء، قتل وبطش، مقاومة، أمل وعمل وتخطيط وإصرار على النجاح.
بهذه العبارات يلخص منيب رشيد المصري في مذكراته طبيعة الظروف التي نشأ بها، وبمراجعة هذه المذكرات ومراحل حياة هذا الرجل، تجد نفسك أمام شخص غير عادي، وهب حياته وماله وفكره لأجل وطنه وأمته، وقد فرض نفسه من خلال إنجازاته وأعماله رقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية، وفي التاريخ الفلسطيني، حيث صنع العديد من الأحداث التي شكلت مفاصل تاريخية في مسيرة الشعب الفلسطيني.
إن مسيرة هذا الرجل تشكل تركيبة خاصة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فقد ترك بصمة مشعة في مختلف ميادين العمل دون استثناء، ابتداء من ميدان العمل السياسي مروراً بالاقتصادي والتنموي والخيري والاجتماعي والحكومي، ليشكل لوحة فسيفسائية مترابطة بين فكر ورؤية ثاقبة وتخطيط محكم وعمل منظم وأثر مستدام.
إن الحديث عن منيب رشيد المصري في هذا المقال يأتي في إطار موضوعي، ولتسليط الضوء على شخصية وطنية فلسطينية شكلت علامة فارقة وحققت الكثير من الإنجازات الكبيرة للشعب والقضية الفلسطينية، مما يجعلها موضع إلهام واقتداء لأصحاب القرار وللأجيال الناشئة.
في العمل السياسي، هو أقدم عضو في المجلسين الوطني والمركزي في "منظمة التحرير الفلسطينية"، وهو أحد مؤسسي حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، وقد بدأت صداقته مع الشهيدين ياسر عرفات وخليل الوزير، منذ أن كان مديراً لشركة "فيليبس بتروليوم" في الجزائر عام 1963، وكان من الذين عملوا إلى جانب عبد المجيد شومان وعبد المحسن قطان وحسيب الصباغ على تنظيم العلاقة بين ياسر عرفات وأحمد الشقيري ، وعلى مدار التاريخ كان بمثابة "الصندوق الأسود" لياسر عرفات، الذي اعتمد عليه في الكثير من القضايا الحساسية، أبرزها خروجه من الأردن إلى سوريا عقب أحداث أيلول الأسود، وحل الخلاف مع دولة الكويت.
وكذلك استعان به بتأسيس دعائم الدولة والنظام الحكومي الفلسطيني بعد اتفاقية أوسلو، وكان مستشار شؤون الدولة للتنمية والإعمار في أول حكومة فلسطينية وغير ذلك الكثير.
ولطالما شكل منيب رشيد المصري قاسماً مشتركاً بين الأردن وفلسطين.
ففي عام 1970 كان وزيراً للأشغال العامة في حكومة وصفي التل التي ساهمت في بناء المملكة بعد أحداث أيلول الأسود، وكان دائماً حلقة وصل بين المرحوم الملك حسين والشهيد ياسر عرفات، وشكل بهذه العلاقة صمام أمان لبناء وتعميق العلاقات الأردنية - الفلسطينية.
وفي بيروت كان حاضراً بشكل دائم على مدار 30 عاماً عاشها هناك، استطاع خلالها بناء علاقات مع مختلف الأحزاب اللبنانية، والقادة السياسيين هناك، وأبرزهم كمال جنبلاط، وليكون الفلسطيني الوحيد الذي نال عضوية مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت، والتي تعتبر واحدة من أهم وأعرق الجامعات العربية.
وفي السياسة أيضاً هو رجال المصالحة الفلسطينية، وإنهاء الانقسام وقد قاد جهوداً حثيث في محاولات ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني.
وترأس الوفد الفلسطيني إلى قطاع غزة عام 2006، ولم يغب عن أي اجتماع أو مؤتمر من مؤتمرات الحوار الوطني من خلال رئاسته للتجمع الوطني للشخصيات المستقلة.
فضلاً عن لذلك عمل منيب رشيد المصري، على بناء جسور السلام ومحاولات إقناع الاسرائيليين بالمبادرة العربية للسلام، وبما تضمنه لهم من مستقبل آمن مع المحيط العربي والإسلامي، وقد بذل جهوداً لترسيخ هذا السلام.
فقد كان أول فلسطيني تواصل معه اسحق رابين، حيث رفض هذا التواصل، وأكد في حينه أن ممثل الشعب الفلسطيني هو ياسر عرفات بصفته رئيساً ل"منظمة التحرير الفلسطينية"، وقد أطلق العديد من المبادرات في هذا السياق، أبرزها مبادرة كسر الجمود.
أما في عالم الأعمال والاقتصاد، وإضافة لنجاحاته الشخصية العظيمة على مستوى العالم في مجال المياه والطاقة والإعمار وقيادته للبنك العربي على مدار 30 عاماً كنائب للرئيس إلى جانب عبد المجيد شومان.
يعتبر منيب رشيد المصري باني الاقتصاد الفلسطيني، فهو الذي قاد جهود تأسيس "شركة فلسطين للتنمية والاستثمار" - "باديكو"، واستقطاب المغتربين عبر العالم لبناء شركة وطنية شكلت أكثر من ثلث الاقتصاد الفلسطيني، وساهمت ببناء مفاصلة في مجال الصناعة والسياحة والاتصالات وسوق الأوراق المالية.
وفي مجال العمل الخيري التنموي، يعتبر منيب رشيد المصري، المبادر وأحد مؤسسي "مؤسسة التعاون" عام 1983، والتي انفقت مئات الملايين من الدولارات على المشاريع الخيرية والتنموية على امتداد فلسطين.
وهو مؤسس "مؤسسة العون الطبي الفلسطيني" منذ عام 1982، والتي أسست نظام صحياً مميزاً على امتداد مخيمات اللجوء.
وهو مؤسس "مؤسسة عبد المجيد شومان" في الأردن، وهو مؤسس اللجنة الأهلية في نابلس عام 2000، والتي ساهمت في تنفيذ العديد من المشاريع الحيوية وتمكين أهل نابلس خلال فترة حصار المدينة إبان "انتفاضة الأقصى"، وهو مؤسس "صندوق ووقفية القدس" و"صندوق تمكين القدس"، ويعتبران من أهم المؤسسات التنموية في القدس.
كذلك مساهمته في تأسيس برنامج حماية ووقف عقارات القدس الشريف، وهو رئيس مجلس أمناء "جامعة القدس" لأكثر من 10 سنوات.
وأيضاً تأسيسه "مؤسسة منيب وانجلا المصري" عام 1970، والتي نفذت مشاريع تنموية في فلسطين والعالم العربي بقيمة 250 مليون دولار، حيث تجد مبنى يحمل اسمها في كل جامعة ومدرسة بدعمها في كل مدينة، وغير ذلك الكثير من المشاريع الإنسانية والخيرية على امتداد فلسطين وبعض الدول العربية.
أما في المجال القانوني، فقد بادر منيب رشيد المصري لأهم حراك قانوني فلسطيني، وهو مقاضاة الحكومة البريطانية، بشأن الآثار الناتجة عن "وعد بلفور المشؤوم" أمام القضاء الفلسطيني والبريطاني، حيث قد جند أهم القانونيين والمؤرخين في العام لقيادة هذا الجهد، وعلى رأسهم المحامي الدولي بن اميرسون، والمدعي العام السابق ل"محكمة الجنايات الدولية" لويس اوكامبو، وعلى نحو أخر أسس لشراكة مع دائرة حقوق الإنسان في "منظمة التحرير الفلسطينية" ليكون داعماً ومسانداً لجهود الملاحقة القانونية لمجرمي الحرب أمام كافة ميادين العدالة.
أما على المستوى الاجتماعي فتراه يعيش ببساطة وتواضع، أبوابه دائماً مفتوحه، ويجيب على جميع الرسائل والاتصالات، تراه يتجول في أزقة نابلس يدون مرافقة أو حراسة، وقد تجده ينظف شوارعها، فهو كثير التواصل مع ابناء شعبه دائم الزيارة لأهالي الشهداء والأسرى، يتجول بين محافظات فلسطين ومدنها رغم صعوبة التنقل والتحرك، وهو دائم القول أحرص على زيارة كل مدينة وقرية في فلسطين بشكل دوري، وأشهد أنني زرت معه أكثر من 200 تجمع وقرية ومدينة خلال شهر رمضان من عام 2019 .
منيب رشيد المصري، وقد بلغ من العمر عقده التسعين، ما زال رجل دولة بكل ما تحمله من معنى، فهو يأبى أن يأخذ استراحة المحارب بعد تسعين عاماً من العطاء، فتجده في هذا العام يعلن المخطط الوطني المكاني الشامل لدولة فلسطين 2050 دون يأس أو ملل.
وتراه يتحدث عن أهمية بناء وتجديد الفكر الفلسطيني وتوحيده، ثم تجده يطلق مشروع لتوثيق السردية الفلسطينية منذ العصر الحجري حتى يومنا هذا، ومع كل يوم جديد يتجدد عطاء هذا الرجل فتراه يطلق مشروعاً جديدا أو مبادرة جديدة.
ومن أهم إنجازات منيب رشيد المصري أنه استطاع حماية جبل جرزيم من الاستيطان من خلال بناء بيت فلسطين على امتداد 320 دونم، والناظر في تفاصيل هذا البيت يلمس عمق التفكير وحجم الانتماء، ومستوى الابداع في عقل منيب رشيد المصري ورؤيته.
ومن المواقف الوطنية التي تسجل لهذا الرجل بأنه العائد الوحيد لوطنه من الذين صنعوا ثروة في الخارج، ولكن لسان حاله دائماً أريد أن أعيش في وطني ومع شعبي وأن أموت على أرضي، مما يثير استغراب الكثيرين، خاصة وأنه في هذا العمر يستطيع أن يعيش بهدوء في جزيرة خارج فلسطين، أو على الأقل مع ابناءه وأحفاده خارج فلسطين.
إن هذه الفلسفة وهذا العطاء، تؤكد أننا أمام شخصية غير عادية بل شخصية استثنائية، شخصية بحجم وطن، أمام قامة ومقام يأبى أن يستكين أو يهدأ، ويسعى حتى أخر نفس لخدمة وطنه وشعبه.
منيب رشيد المصري لم يقدم المال والجهد والفكر لأجل فلسطين فحسب، بل حاله كحال معظم أبناء الشعب الفلسطيني، فقد قدم الدم أيضاً وهو جريح منذ عهد الانتداب البريطاني، وحفيده البكر منيب جريح من الاحتلال الإسرائيلي، أصابه في عموده الفقري فأقعده مدى الحياة.
لمنيب رشيد المصري كل الاحترام والتقدير، لهذه المسيرة التي تكتب بحروف من ذهب، وسيشهد التاريخ أنه من قادة فلسطين الأبرار الذين صنعوا التغيير وقدموا الكثير.