اليقينُ باللهِ هوَ مَلاذُ الأرواحِ حينَ تَضطربُ، وسَندُ القلوبِ إذا تَزلزلَتِ الأرضُ من تَحتِ أقدامِها. إنَّهُ النُّورُ الَّذي يَخرُجُ بالإنسانِ من حَلكاتِ الحَيرةِ إلى سَكينةِ الاطمئنانِ، والبابُ الَّذي يُفضي إلى عالَمِ الحقِّ المُبينِ، حيثُ لا تَتَصدَّعُ النُّفوسُ ولا تَميلُ معَ الرِّيحِ.
فاليقينُ ليسَ مجرَّدَ اعتقادٍ جامدٍ يَسكُنُ الذِّهنَ، بَل هوَ حياةٌ تَسري في العَصبِ، وقُوَّةٌ تَحيا بها الإرادةُ، وعُدَّةٌ يَتَحصَّنُ بها العبدُ حتَّى مِن نَفسِهِ الَّتي قد تَجُرُّهُ إلى غَيٍّ أو تُغويهِ بباطلٍ. فإذا امتلأ القلبُ يقينًا بالله، صارَ العالَمُ كُلُّهُ دونَ مَخاوفَ، وصارتِ الشُّبهاتُ هَباءً تَذروهُ الرِّيحُ.
اليقينُ باللهِ يَرفعُ الإنسانَ عن سَطحِيَّةِ الأشياءِ إلى جَوهَرِها، فيَرى في الكَونِ آياتٍ، وفي البلاءِ منحةً، وفي كلِّ قَدَرٍ حكمةً بالغةً. ومَن عَلِمَ أنَّ اللهَ حقٌّ، لم يَخشَ باطلاً، ومَن عَلِمَ أنَّ اللهَ هوَ القَديرُ، لم يَجثُ على رُكبَتَيهِ أمامَ زَيفِ القُوَّةِ في أيِّ صُورةٍ تَبدَّت.
ولذلكَ كانَ اليقينُ باللهِ حِصنًا مَنيعًا يُحيطُ بالإنسانِ من كُلِّ جانِب، لا يَنفُذُ إليهِ وَهمٌ ولا تَطرُقُهُ حَيرة. بل إنَّهُ يَمنَحُهُ شَجاعةً يُواجِهُ بها ظُلمَ النَّفسِ قبلَ ظُلمِ الآخَرين، ويُقيمُ ميزانًا من العدلِ في داخِلِه يَحُولُ بينَهُ وبينَ أن يَستَسلمَ لأهوائِه أو يَضِلَّ عن الحقِّ المُبين.
وإذا كانَ النَّاسُ يَطلُبونَ الأمانَ في حُصونٍ تُشيَّدُ بالحِجارَةِ، فإنَّ أمانَ المؤمنِ يَنبُعُ من حِصنٍ أعظمَ، وهوَ يقينُهُ بالله. ذلكَ الحِصنُ الَّذي لا تَبلُغُهُ جُيوشُ الأرضِ، ولا تُفتَحُ أبوابُهُ إلَّا بمِفتاحِ الإيمانِ الصَّادقِ والرِّضا بما قَسَمَ الله.
فما أعظَمَ أن يَطمَئِنَّ القلبُ إلى ربٍّ لا يَغيبُ، وإلى حَقٍّ لا يَزولُ، وإلى وَعدٍ لا يُخلَفُ! هنالِكَ تَستَقيمُ الطَّريقُ، وتَصفو البصيرةُ، ويُصبِحُ شعارُ المؤمنِ في الحَياة:
يقيني بالله يقيني.