بعد سبعةٍ وسبعين عامًا من النكبة، بدأ العرب، ببطءٍ مؤلم، يكتشفون ما كان ينبغي أن يُدرك منذ اللحظة الأولى: أن “إسرائيل” ليست مشروعًا قوميًا لليهود، ولا حلمًا توراتيًا تحقق على أرض فلسطين، بل كيانٌ وظيفي أُقيم لخدمة الإمبراطورية الغربية، التي لا تعرف من الجغرافيا سوى ما يُخدِم هيمنتها، ولا من الشعوب سوى من يمكن استخدامه كأداةٍ أو إسقاطه كعقبة.
لقد كان تأسيس الكيان عام 1948 تتويجًا لمشروعٍ استعماريٍ عميق الجذور، ابتدأته بريطانيا حين كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ثم ورثته عنها الولايات المتحدة كقائدةٍ للإمبراطورية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يكن وعد بلفور إذًا وعدًا لليهود، بل وعدًا للإمبراطورية بأن يكون لها موطئ قدمٍ ثابتٍ في قلب الشرق، حاملة طائراتٍ بشريةٍ ثابتة في منطقةٍ تعج بالثروات والممرات الحيوية.
وهكذا تحوّل الكيان الصهيوني إلى أداة إمبراطورية متقدمة، تُنفّذ المهام التي لا تستطيع القوى الكبرى تنفيذها مباشرةً دون تكلفة سياسية وأخلاقية.
فكل عدوانٍ تشنّه إسرائيل، وكل توسعٍ تقوم به، لا يُعبّر عن إرادتها الذاتية بقدر ما يعكس إرادة المركز الإمبراطوري الذي يستخدمها كـ قاتل مأجور (Hit Man)، ينفذ الأعمال القذرة باسم "الأمن" و"الدفاع عن النفس".
لقد أُحيط هذا الكيان بهالةٍ أيديولوجيةٍ كثيفة من الأساطير، من “شعب الله المختار” إلى “أرض الميعاد”، مرورًا بمزاعم “إسرائيل الكبرى” و”الصهيونية العالمية” و”المؤامرة الماسونية”، وكلها كانت أدواتٍ لتضليل الوعي العربي والعالمي على حدٍّ سواء.
أمّا الحقيقة فهي أبسط وأخطر: أن إسرائيل ليست إلا جزءًا من منظومة السيطرة الإمبراطورية التي تُعيد تشكيل العالم وفق مصالحها، وتستخدم شعوبًا وأنظمة وكيانات كما يستخدم الجراح أدواته، دون عاطفة ولا تردد.
في هذا السياق، يمكن فهم إسرائيل بوصفها “الوجه الخفي للغرب القديم”، فالإمبراطورية لم تتخلّ عن نزعتها إلى الغزو، بل غيّرت أدواتها.
استعمرت بالأمس بالأساطيل، وتستعمر اليوم بالقواعد، وبالكيانات الوظيفية التي تحمل راياتٍ محلية وتخوض حروبًا بالوكالة.
لذلك فإن أي توسعٍ إسرائيلي هو توسع أمريكي – أطلسي في جوهره، وأي حربٍ تشنها إسرائيل هي استمرارٌ للحروب الإمبراطورية القديمة، بوسائل جديدة وأسماء جديدة.
الوظيفة الإسرائيلية إذًا هي ضبط الإقليم لا تحريره، تقسيمه لا توحيده، إبقاؤه في حالة توترٍ دائم تمنع تشكّل أي قوةٍ عربيةٍ أو إسلاميةٍ مستقلة.
إنها نقطة الارتكاز العسكرية والاستخباراتية والرمزية التي تضمن أن تظل المنطقة أسيرة الخوف والانقسام، وأن تبقى بوصلتها السياسية والاقتصادية مائلةً دائمًا نحو الغرب.
من هنا، فإن الصراع مع هذا الكيان لا يمكن أن يُفهم في إطاره الديني أو القومي الضيق، لأنّه في جوهره صراعٌ مع الإمبراطورية ذاتها، ومع منظومةٍ عالميةٍ لا ترى في فلسطين سوى ساحة اختبارٍ دائمة لقوتها، ولا في العرب سوى خزانٍ للطاقة والولاءات.
الصراع الحقيقي هو بين إرادة الهيمنة وإرادة التحرر، بين من يريد للعالم أن يُدار من مركزٍ واحدٍ يتحكم بالجميع، ومن يسعى إلى عالمٍ متعدّدٍ حرّ، تُحترم فيه إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
ربما بدأت اليوم ملامح الوعي تتشكل ، فحين يدرك العرب أن إسرائيل ليست “الخصم النهائي”، بل اليد المنفذة لمخططٍ أكبر، فإنهم يكونون قد قطعوا نصف الطريق نحو الفهم، ونصف الطريق نحو التحرر. فالمعركة الحقيقية ليست مع الأداة، بل مع من يستخدمها؛ ليست مع الجندي، بل مع من يصوغ له الأوامر.
وإلى أن يتحقق هذا الوعي الجمعي، سيبقى الكيان الوظيفي يؤدي دوره بإتقان: يزرع الفوضى، ويغذي الخوف، ويمارس القتل باسم القانون.
لكن لحظة الحقيقة قادمة لا محالة، حين تسقط الأقنعة، وتتكشف الإمبراطورية في عريها الكامل، بلا غطاءٍ دينيٍ ولا ذريعةٍ أخلاقيةٍ ولا قناعٍ أمني.
عندها فقط، سيعلم العالم أن فلسطين لم تكن ساحة صراعٍ محلي، بل مرآةً تكشف وجه الإمبراطورية في زمنها الأخير.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض / الخميس
23/10/2025 م