في خضم الأحداث المتلاحقة التي يعيشها لبنان، يبدو وكأنّ بعض وسائل الإعلام فقدت حسّها الإنساني والوطني في آنٍ معاً.
فالمَشاهد التي كانت تُحدث زلزالاً في الرأي العام قبل سنوات، باتت تمر اليوم مرور العابرين.
انفجار هنا، اشتباك هناك، قصفٌ أو اختراق جديد للاحتلال الإسرائيلي، وكلّها تُختصر بخبرٍ بارد على شريط إخباري لا يتجاوز بضع كلمات، ثم يختفي كأنّه لم يكن.
من الجنوب إلى البقاع، ومن الحدود إلى العاصمة، تتكرّر الأحداث نفسها: اعتداءات إسرائيلية متكرّرة، قصف على قرى حدودية، خروقات جوية وبحرية تكاد تكون يومية، ومع ذلك، لا نرى التغطية التي تليق بحجم الخطر.
لا تحليل، لا نقاش، ولا حتى مساءلة عمّا يجري.
كأنّنا أمام مشهد مألوف فقد قدرته على الصدمة، أو كأنّنا تبلّدنا أمام العدوان المستمر.
الاحتلال لا يكتفي بالقصف العسكري، بل يراهن على تآكل الوعي.
يدرك أنّ أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً ما، هو أن يتعوّد على الخطر، وأن يفقد القدرة على الغضب.
وبعض وسائل الإعلام، للأسف، تشارك في هذه المعادلة من حيث لا تدري، حين تتعامل مع كلّ خرقٍ أو قصفٍ أو استشهادٍ وكأنّه حادثٌ عابر لا يستحق التوقّف عنده.
إنّ ما نراه اليوم ليس فقط تقصيراً إعلامياً، بل هو نوعٌ من التطبيع مع الألم والعدوان في آنٍ واحد.
فحين يصبح قصف الجنوب حدثاً عادياً، يُذكر بين خبرٍ عن سعر الدولار وآخر عن الطقس، نكون قد فقدنا البوصلة الأخلاقية والوطنية التي كانت تميّز الصحافة اللبنانية يوماً.
لم يعد السؤال "لماذا يحدث هذا؟" أو "إلى أين نحن ذاهبون؟".
حاضراً في النقاش العام، بل غاب خلف ضجيج الحياة اليومية وضغوطها.
ربما يُعذر المواطن الذي تعب من الأخبار الثقيلة، لكن لا يُعذر الإعلام الذي يفترض أن يكون ضمير الناس وصوتهم.
من واجبه أن يُذكّر، أن يشرح، أن يحذّر، وأن يواجه التطبيع مع الخوف والاعتياد. فالتاريخ لا يُكتب بالحياد، بل بالمواقف.
وإذا استمرّ هذا الصمت المبطّن باللامبالاة، سيأتي يوم نكتشف فيه أنّنا لم نخسر أرضاً فحسب، بل خسرنا قدرتنا على الإحساس بها.
الإعلام ليس ناقلاً للخبر فحسب، بل هو من يحدّد كيف يُفهم الحدث، وكيف يُحفظ في ذاكرة الوطن.
واليوم، يبدو أنّ الذاكرة اللبنانية تُكتب بلا وعي، وبأيدٍ اعتادت على الألم حتى صار عادياً. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأمةٍ تحيا على أرضٍ تُستهدف كل يوم.