شهدت محافظة السويداء في الآونة الأخيرة أحداثًا قاسية وعاصفة شكّلت منعطفًا حادًّا في تاريخ هذه المدينة السورية العريقة، التي قدّمت عبر تاريخها الطويل كوكبة من الأبطال الذين سطّروا ملاحم في سبيل حرية سوريا ووحدتها، يتقدمهم سلطان باشا الأطرش، بطل الثورة السورية الكبرى، ورمز الكرامة الوطنية، ومعه وجوه أخرى كتبت بحبر الدم مسيرة الولاء للوطن والتمسك بالخيار العروبي.
لكن بين هذا الإرث المجيد والواقع المأزوم اليوم، تتأرجح السويداء في مشهدها السياسي والاجتماعي بين الاحتجاج والاحتضان، وبين المطالبة بالذاتية والبقاء تحت كنف الدولة المركزية.
فالأحداث الأخيرة، بكل ما حملته من توتر ودم، تركت أثرا عميقا في الشارع الدرزي، حيث يرى بعض أبنائه أن ما جرى كشف حجم الهوة بين المحافظة ودمشق، فيما يعتبر آخرون أن ما حدث لا يعدو كونه غيمة عابرة يجب أن تُمحى من ذاكرة التاريخ السوري الحديث، لتستمر السويداء كما كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من الفسيفساء الوطنية.
الكاتب الصحافي عهد مراد رأى في تصريح تلفزيوني أن “النخب السورية، وخصوصًا الدمشقية منها، تُعلي الصوت رفضًا لما جرى في السويداء وتصفه بالخطأ التاريخي”، معتبرًا أن “الثقة بين أبناء السويداء ومؤسسات الدولة تضررت بعمق، وأن جرح الأحداث سيبقى طويل الأمد في ذاكرة الأهالي”.
وأضاف مراد أن “أكثر من 200 ألف شخص من أبناء السويداء وقعوا على حملة لتقرير المصير والانفصال عن الدولة المركزية”، وهو ما يعكس - بحسب رأيه - أن “القرار في المدينة اليوم لم يعد حكرًا على المرجعيات الدينية، بل بات للناس أنفسهم”.
في المقابل، يؤكد مصدر سياسي دمشقي أن الحكومة السورية تتجه إلى محاسبة المسؤولين عن أي اعتداءات جرت خلال الأحداث الأخيرة، سواء في صفوف أبناء السويداء أو العشائر العربية المجاورة، مشيرًا إلى أن هناك تحركات لفتح قنوات تواصل عبر وسطاء تمهيدًا لمرحلة تفاوض جديدة حول مستقبل العلاقة بين المركز والمحافظة.
وبين هذا وذاك، تبقى الأيام المقبلة هي التي ستقول الكلمة الفصل في مصير السويداء. لكن المؤكد، كما يجمع المراقبون، أن ما قبل الأحداث ليس كما بعدها، وأن هذه المحافظة التاريخية التي شكّلت أحد أعمدة الهوية السورية تقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة، يُعاد فيها طرح السؤال القديم – الجديد:
هل يختار دروز سوريا البقاء في حضن الدولة المركزية، أم يسلكون درب تقرير المصير الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق؟