25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم عَرّاكُم الرئيسُ، فاسْتَتِروا!
عَرّاكُم الرئيسُ، فاسْتَتِروا!
رشا ابو غزالة
2025-10-31
عَرّاكُم الرئيسُ، فاسْتَتِروا!

في خطوةٍ تحملُ دلالاتٍ وطنيةً واضحة، طَلبَ فخامةُ الرئيس العماد جوزاف عون من قائد الجيش العماد رودولف هيكل التصدّي لأيِّ توغّلٍ إسرائيليٍّ في الأراضي الجنوبية المحرّرة، دفاعًا عن السيادةِ الوطنية وسلامةِ المواطنين.
موقفٌ يُفترضُ، في بلدٍ سياديٍّ، ومع أطرافٍ لا تنفكُّ تنادي يوميًّا ببسطِ السيادةِ وتشتكي من غيابِ الدولة، أن يُقابَلَ بالإجماعِ والتأييدِ الوطنيَّين.
لكن، وكما اعتدنا في لبنان، مع كلِّ موقفٍ رئاسيٍّ، يتحوّل الحدثُ إلى مسرحيةٍ هزيلةٍ باسم الديمقراطية، ويتحوّل الموقفُ إلى مادةٍ للجدلِ والانقسام. فما هي سوى دقائقَ على إعلانِ الرئيس موقفَه، حتى انهالت التعليقاتُ والاتهاماتُ من كلِّ صوبٍ، على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، وفي الصحفِ والمقالات، وعلى ألسنةِ "جهابذةٍ" نصبوا أنفسَهم أوصياءَ على الوطن.
ولكن مهلاً، فلنأخذ المشهدَ من زاويةٍ إيجابيةٍ:
أنْ يُنتقَدَ الرئيسُ بعد دقائقَ من إبلاغِه موقفَه للعماد رودولف هيكل، وقبل أن يكون قائدُ الجيش قد غادرَ القصر، فهذه سابقة!
إنجازٌ وطنيٌّ يُسجَّل لأبواقِ السياسيين والإعلامِ المأجور.
لقد أثبتُّم مرّةً جديدةً أنكم كائناتٌ متابِعةٌ للأحداثِ بدقّة، تتلقّف المواقفَ لحظةً بلحظة.
تصفيقٌ حارٌّ، لو سمحتُم، لسرعةِ الحُكمِ قبل اكتمالِ الحدث!
وبينَ طرفٍ وصَفَ الجيشَ بالمتهاوي واتّهمَ الرئيسَ بالتضحيةِ بالمؤسسةِ العسكريةِ الوحيدةِ الباقية، وطرفٍ ثانٍ اتّهمَ الدولةَ بالعجزِ والضعفِ والهوانِ، والرئيسَ بالعمالة، وطرفٍ ثالثٍ جعلَ من الانتقادِ هوايةً وطنيةً، يهاجمُ لمجرّد ألّا يبقى صامتًا، وكأنَّ الصمتَ خيانةٌ، والاتّزانَ ضعفٌ، يُعلّقُ على كلِّ شيءٍ من دون أن يؤمنَ بشيء، لأنَّ "الوصايا العشر" عنده تسعٌ فقط… فأحدُها سقطَ في التجربة، لشدةِ ما اشتهى مقتنى غيرِه.
وفي زحمةِ هذه الانتقادات، ضاعت البوصلةُ الوطنية، وكأنَّ اللبنانيين ما زالوا عاجزينَ عن الإجابةِ عن سؤالٍ بسيطٍ وجوهريٍّ:
هل نريدُ الدولةَ أم لا نريدُها؟
كيف نطالبُ بالدولةِ ثم نحاربُها عندما تمارسُ دورَها؟
وكيف نريدُ جيشًا قويًّا ثم نُضعفُ هيبتَه كلّما نهضَ بواجبِه؟
الجوابُ صارخٌ:
في وطنٍ يُحاكَمُ فيه الصمتُ، لا عجبَ أن يُدانَ الكلام.
إن صمَتَ الرئيسُ، قالوا تواطأ،
وإن تكلّمَ، خوّفوه،
وإن تحرّكَ، اتّهموه بالمجازفة،
وإن أدانَ، أدانوه!
لكنْ، لننظرْ إلى الأمرِ مجدّدًا من زاويةٍ إيجابيّةٍ:
بإعلانِه معادلةَ التصدي، يكونُ الرئيسُ قد عرّى الجميعَ، وكشفَ المستور، وأبانَ الزيفَ عن وجوهٍ كانت تختبئُ خلفَ الشعارات، وفضحَ ازدواجيةَ الخطاب.
أن يضعَ رئيسُ الجمهورية الجيشَ في موقعِ التصدي، فذلك ليس تفصيلًا عابرًا، بل إرساءٌ لمعادلةِ ردعٍ وطنيةٍ ترسمُ بوضوحٍ حدودَ الجنوب، وتُعيدُ للدولةِ هيبتَها جنوبَ الليطاني، وتُعيدُ للجيشِ دورَهُ الأصيلَ الذي غيّبَته معادلاتُ حروبِ الآخرين على أراضينا.
اليوم، يُثبِتُ الرئيسُ أنَّ الجيشَ هو صاحبُ القرارِ الوطنيِّ حصراً، وأنَّ القرارَ لا يُوزّعُ على حسابِ المصالحِ الشخصية، وأنَّ السيادةَ لا تُقاسُ بالشعارات، بل بالفعلِ الحازمِ على الأرض.
وبين نيرانِ الذكرياتِ التي ما زالت تتأجّجُ في أحشاءِ الجنوب، وأطلالِ بيوتٍ تهشّمت كصدورٍ مُنهكة، وأهلٍ ما زالوا يحملون عبءَ الليالي المظلمةِ وحلمَ العودةِ إلى أرضٍ تستغيثُ،
يقفُ الجيشُ على خطِّ النارِ، كجدارٍ منيعٍٍ في وجهِ الريحِ والعدوان، يحمي الأرضَ والناس، ويرسمُ حدودَ الأمان.
على تخومِ الدولة، يقفُ جيشُنا الوطنيُّ شامخًا، يواجهُ الغيمَ والحديدَ بثباتٍ، ويقولُ للعدوّ:
قف عند حدِّك! الجنوبُ لي، والأرضُ لي، وأنا من يرسمُ حدودَك.
فالدفاعُ عن كلِّ شبرٍ من ترابِ الوطنِ ليس خيارًا، بل واجبٌ مقدّس.
هو رسالةُ الجيشِ ووعدُه للأرضِ وأهلِها،
هو الأمانةُ التي يحملُها على كتِفَيْه، والأمنُ المزروعُ في كلِّ بيتٍ وعلَمٍ وذاكرةٍ في الجنوب.
الجيشُ ليس تفصيلًا في الدولة، بل هو الدولةُ وجوهرُها، صورتُها وهيبتُها ووجودُها،
والشرعيّةُ منَ الجيشِ، وإلى الجيشِ تعود.
لقد عرّاكمُ الرئيسُ… فاستتِروا، إن كنتم بعدُ تعرفونَ للسّترِ معنًى… 


-شقيقة النقيب الشهيد روي أبو غزالة-

جنوبيات
أخبار مماثلة