تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن ، المزمع القيام بها في 18 نوفمبر الجاري ، في توقيت دقيق يعيد تشكيل ملامح المنطقة، ويؤكد أن الرياض باتت تمسك بخيوط اللعبة الإقليمية من موقع الفاعل لا المتلقي.
فهذه الزيارة لا تندرج في إطار العلاقات الثنائية فحسب، بل تمثل حلقة مركزية في رؤية سعودية شاملة لإعادة بناء الاستقرار الإقليمي على أسس جديدة تشمل ملفات إيران ولبنان وفلسطين واليمن ، إضافة الى ملفات الطاقة والتنمية ، في وقت تتعثر فيه الرؤية الأمريكية وتتبدل فيه خرائط المصالح.
منذ سنوات، انتقلت سياسة المملكة من موقع "الاستجابة" إلى موقع "المبادرة".
فبعد أن كانت تتعامل مع الأزمات الإقليمية كردّ فعل على المتغيرات المحيطة، باتت اليوم صاحبة المبادرة في اعادة صياغة المعادلات والتوازنات الإقليمية.
رؤية السعودية اليوم تقوم على إرساء الاستقرار من بوابة المصالح المشتركة لا من منطق المحاور أو الاصطفافات الأيديولوجية، وتستند إلى مقاربة سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة تجعلها حجر الزاوية في معادلة الشرق الأوسط الجديد.
في الملف الإيراني، تتعامل الرياض بعقلانية واقعية؛ فهي لا تسعى إلى المواجهة بل إلى إدارة النفوذ عبر الحوار المتزن، وضبط السلوك الإيراني ضمن معادلة الأمن الإقليمي الجماعي ، وهنا نستذكر الإتفاق السعودي الإيراني الموقع في 9 آذار / مارس 2023 م في بكين برعاية الصين ، واستنادة إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤن الداخلية للدول ، والى قواعد القانون الدولي ، ومبائ خسن الجوار و الحوار والمفاوضات ، عوضا عن المواجهات و فرض سياسات المصالح ومدِ الهيمنة والنفوذ .
أما في لبنان، فتتجه السياسة السعودية نحو دعم الدولة ومؤسساتها الشرعية ، والحد من التآكل و الانهيار الكامل الذي قد يجر البلاد إلى الفوضى والنزاعات الداخلية .
وفي اليمن، تسعى المملكة إلى طيّ صفحة الحرب والصراع الداخلي ، عبر حل سياسي شامل، بما يضمن أمنها وأمن الجوار واستقرار الممرات الدولية ، وتأكيد وحدة اليمن واستقراره وتنميته .
لكن قضية فلسطين تبقى في قلب الرؤية السعودية، فبعد حرب غزة، أدركت الرياض أن لا استقرار حقيقي في المنطقة دون حل جذري وعادل للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع منحزيران وعاصمتها القدس الشرقية ، استنادا الى قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ، ويأتي في هذا السياق قيادتها بالشراكة مع فرنسا التكتل الدولي لتوسيع دائرة الاعترافات بدولةفلسطين المستقلة والسعي والعمل المشترك ، بينهما لتنفيذ حل الدولتين على أرض الواقع وفق بيان نيويورك ، الذي تعطل على مدى سبعة وسبعين عاما من الصراع .
من هنا، تبرز مواقف المملكة في رفض استمرار العدوان، ورفض أي تسوية تقوم على فرض الأمر الواقع، والتأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يولد إلا من رحم العدالة والشرعية الدولية ، واستعادة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في تقريرالمصير وإقامة دولته المستقلة و عاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 م ، وأن أي ترتيب إقليمي قد يتجاوز فلسطين سيبقى هشًا ومؤقتًا ، ولن يضمن الأمن والإستقرار والسلام والازدهار في المنطقة.
إن زيارة ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن تحمل كذلك رسالة واضحة إلى الإدارة الأمريكية : أن السعودية لم تعد دولة تُستدعى للتشاور، بل شريكٌ رئيس ، يُحسب له حساب في صياغة القرارات والمواقف المتعلقة بالمنطقة عموما .
الولايات المتحدة، التي تراجع نفوذها في المنطقة، باتت تدرك أن الرياض أصبحت الرقم الأصعب في كل الملفات من الطاقة إلى الأمن مرورًا بإعادة الإعمار والعلاقات مع القوى الدولية الكبرى.
بهذه الرؤية، تتحرك السعودية نحو إعادة تشكيل الشرق الأوسط على قاعدة الحوار و التوازن لا الصراع، والانفتاح والإستقرار لا الصراع و الانغلاق.
فهي اليوم جسر بين الشرق والغرب، وضابط لإيقاع الإقليم في زمن التحولات العاصفة، وقوة استقرار تقود من موقع القوة و المبادرة ، لا من موقع الضعف و التبعية.
باختصار، الرياض اليوم لا تتحرك في ظل الأحداث بل تصنعها، وتضع بصمتها على موازين القوى الجديدة، في خطوة تؤكد أن المملكة العربية السعودية برؤيتها الحديثة وعقلها الاستراتيجي صارت حجر الأساس في بناء شرق أوسط أكثر استقرارًا ، وامنا ، وازدهارا ، وعدلاً وإنسانية.
د. عبالرحيم جاموس
الرياض/ الأحد
9/11/2025 م