يشهد لبنان اليوم سباقًا متصاعدًا بين مسارين متوازيين ومتصادمين: ضغوط أميركية تتزايد حدّتها، مقابل استعدادات إسرائيلية متسارعة لحرب قد تُفرض على لبنان تحت عنوان "إعادة صياغة قواعد الاشتباك" أو "إزالة التهديد من الشمال".
كتب ميشال نصر في الديار: من يتابع مواقف الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة يكتشف سريعًا أن لبنان دخل مرحلة الرمادية، حيث لا تُعلن الحرب ولا تُبنى التسويات، بل تُدار الضغوط ويتم اختبار الخطوط الحمر.
مصدر وزاري لبناني أكد أن واشنطن تبعث رسائل متناقضة، فهي لا تريد توسع المواجهة وتُبدي تفهمًا للموقف الرسمي اللبناني القَلِق من اهتزاز الوحدة الوطنية، لكنها في الوقت نفسه تصر على إبقاء لبنان تحت تأثيرها المباشر "على طريقتها"، متجاهلة تركيبة البلد، وهو ما يظهر في موقف عدائي غير مبرر من شخصيات أميركية مؤثرة.
ويرى المصدر أن واشنطن تُدرك أن فائض قوتها في ملفات أخرى لا ينطبق على لبنان، إذ إن حزب الله قادر على قلب الطاولة بأي لحظة، ما يدفعها لاستخدام "العصا الدبلوماسية" عبر رسائل إلى المؤسسات السياسية والمالية والعسكرية بأن الاستقرار مرهون بإدارة أميركية للمرحلة وبقدرة لبنان على الالتزام بسقف يمنع الانجرار إلى صدام مباشر مع الكيان الإسرائيلي.
على الضفة الأخرى، تتحرك تل أبيب بمنطق مختلف، معتبرة أن بيروت باتت نقطة ضعف قاتلة في حسابات الردع، وأن استمرار جبهة الشمال مفتوحة ولو بوتيرة منخفضة يعني استنزافًا دائمًا لجيشها وسياساتها الداخلية. لذلك تركّز على تغيير قواعد الاشتباك عبر عمليات نوعية أو اغتيالات أو ضربات داخل العمق اللبناني لتأكيد قواعدها، كما حصل الأحد في حارة حريك.
وكتب إبراهيم ناصر الدين في الديار: قيادة المقاومة لم تكن تنتظر تهديد وزير حرب الكيان الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي لوّح بالتحرك عسكريًا في لبنان لـ"نزع سلاح حزب الله" قبل نهاية العام. ورغم محاولة تل أبيب الترويج بأن اغتيال الطبطبائي تم بموافقة أميركية لحظة توفر الهدف وليس ضمن تصعيد ممنهج، إلا أن ذلك قد يكون جزءًا من تضليل يُمهّد لخطط معدّة ومتفق عليها بين واشنطن وتل أبيب، وما يجري هو بدايات لما هو أسوأ.
وأشار ناصر الدين إلى أن ما نقله وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي إلى المسؤولين اللبنانيين لا يبعث على التفاؤل، لجهة القلق من نوايا الكيان الإسرائيلي تجاه لبنان وغزة وسوريا. ورغم أنه لا يحمل ضمانات، إلا أنه سيعمل على دمج الأفكار المصرية مع مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون، بعد مباركة الرئيس نبيه بري والتشاور مع حزب الله، لمحاولة خرق جدار التعنت الإسرائيلي الذي لا يزال يقدم الحلول العسكرية باعتبارها جزءًا من عقيدة اليمين الإسرائيلي المقبل على انتخابات قد تحتاج إلى المزيد من الدماء لتعزيز قبضته على السلطة.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية قدّمت بدورها دليلًا إضافيًا على حاجة نتنياهو لإنجاز ما، بعدما فشل استراتيجيًا. إذ أشارت إلى أن مكانة الكيان الإسرائيلي في واشنطن والعالم تراجعت، وأن حماس لم تُصفّ، وحزب الله يرمم بنيته ويعود لتهديد الجليل رغم اغتيال رئيس أركانه. أما الجبهة الإيرانية فبقيت كما هي، وإيران تواصل إنتاج الصواريخ من دون أي رقابة. وخلصت الصحيفة إلى أن نتنياهو قاد الكيان إلى هزيمة استراتيجية.
هذه المناخات، إضافة إلى الزخم الدبلوماسي نحو بيروت وزيارة البابا المرتقبة، ثم عودة مورغان أورتيغاس، لا تبعث على الاطمئنان. إذ قد تستغل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي هذا الحراك لتنفيذ مفاجآت تفوق قدرة لبنان على تحمل تداعياتها، خصوصًا بعد التحذيرات الأوروبية الأخيرة التي نُقلت إلى المسؤولين اللبنانيين حول خطورة تجاهل الرسائل الأميركية القاسية إلى قيادة الجيش، والتي قد تمهّد لرفع الغطاء الأميركي عنه، وتركه عرضة لاستهداف مباشر من الكيان الإسرائيلي بعد وضعه في خانة "العمل لصالح حزب الله" وإقناع دوائر فاعلة في واشنطن بأنه استثمار خاسر.