24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "بليغ حمدي: الموسيقار الكونيّ الذي امتلك مفاتيحَ الروح"!
"بليغ حمدي: الموسيقار الكونيّ الذي امتلك مفاتيحَ الروح"!
القاضي م جمال الحلو
2025-11-28
"بليغ حمدي: الموسيقار الكونيّ الذي امتلك مفاتيحَ الروح"!

في زمنٍ تشتّتت فيه الأسماءُ وتعدّدت الأصوات، يطلّ بليغ حمدي مُشِعًّا كقمرٍ مكتملٍ في سماء الموسيقى العربية. ليس مجرّد ملحّنٍ بارعٍ أو صانعِ أغانٍ ناجحة؛ بل ظاهرةً فنيةً تلامسُ العمقَ الإنسانيَّ بحواسّ لا يعرفها كثيرون. وبين جوقةِ العباقرة الذين منحتهم الموسيقى العربيّة والعالميّة مجدًا خالدًا — من سيد درويش إلى محمد عبد الوهاب، ومن أساطيرِ الغرب كبيتهوفن وموتسارت — يبقى بليغ حالةً فريدة: قدرة على امتلاك الروح، لا بالتقنية وحدها، بل بتعرّجاتها وخفوتها وارتفاعاتها، حتى تبدو الأذنُ وكأنها تعلّمت أن تتنفّس على إيقاعِ لحنه.

لِمَ يختلف بليغ؟

الأمر لا يُقاس بمقامٍ أو عقدٍ من النغمات؛ بل بكيفيةِ ربطِ النغمةِ بالكلمة، وبذلك الحسّ الموسيقيّ الذي يجعل اللحنَ يوسّع فضاءَ المعنى بدلًا من تكراره. في أعماله نجد:

احترامًا للنصّ: يعامل الكلمة ككائنٍ حيّ يحتاج إلى فسحةٍ نفسيةٍ وموسيقية، فلا يطغى اللحنُ عليها ولا ينتزعُ أثرها.

توازُنًا بين الأصالة والابتكار: يستقي من المقامات الشرقية بأمانةٍ راسخة، لكنه يصوغها بحرّيةٍ تمنحها شكلًا ومعمارًا جديدين.

تلوينًا أوركستراليًا رشيقًا: لا يُسرفُ في الزخارف، بل يوظّف الآلات لتسليط الضوء على العاطفة المضمَرة في الكلمات.

بناءً دراميًا محكمًا: فالجملة اللحنية عنده ليست تكرارًا، بل مسارًا يتصاعد ويهبط ويفتح أبوابًا جديدة، حتى تغدو كلّ تكرارةٍ معنى إضافيًا.

«بعيد عنك» — درسٌ في امتلاك الشعور

حين نتحدّث عن السيطرة على الروح، لا بد أن نتوقّف عند «بعيد عنك». فهي مثالٌ على كيف يمكن للحنٍ يبدو بسيطًا في ظاهره، فيسرق القلب بتدرّجٍ دراميّ مذهل. تتداخل جُمله الموسيقية مع مساحاتٍ صامتة تكاد تمثّل تنفّسَ الحزن نفسه، فتظهر براعة بليغ في ضبط الإيقاع النفسيّ للمستمع.

مقارنةٌ لا تنتقص من أحد

المقارنة بين بليغ وغيره من العمالقة ليست تقليلًا من شأن أحد؛ فلكلّ مبدعٍ أفقه الخاص. غير أنّ ما يمنح بليغًا فرادتَه هو تلك اللحظة التي يصبح فيها الصوتُ البشريّ جزءًا من آلةٍ موسيقيةٍ تُجيد قراءةَ مشاعر المستمع. إنه لا يركّب اللحن على الكلمات فحسب، بل يعيد ترتيب مشاعر السامع حتى تتّضح وتلتئم.

وفي الختام

ليس المطلوب التصفيق لكلمةٍ جميلة، بل منح العمل حقَّه: الإصغاءُ بانتباه، وإعطاءُ اللحظة صمتها، وتركُ القلب ليحكم. ولذلك أقولها بوعيٍ موسيقيّ: إن بليغ حمدي يستحقّ بحقّ لقب «الموسيقار الكونيّ». ليس إعلانًا لنهاية الجدل، بل دعوةً إلى المزيد من السمع، والتأمّل، والمناقشة.

قبل إبداء الرأي — استمعوا إلى بليغٍ جيّدًا… استماعَ مَن يهبُ وقته وانتباهه، لا استماع المرور العابر. فالموسيقى فضاءٌ حيّ، وآراؤنا جزءٌ من نسيجها.

جنوبيات
أخبار مماثلة