تواصل جهات سياسية وعسكرية في "إسرائيل" التأكيد أن الحرب المقبلة ضد حزب الله باتت قريبة — بل وحتمية. غير أن ضعف إيران، وتغيير النظام في سوريا، والهوية الإيجابية لرئيس لبنان، والضغط الأميركي، قد تُزيل الخطر القادم من لبنان، أو على الأقل تُقلّصه بشكل كبير.
تُنقل عن جهات سياسية وعسكرية في إسرائيل أقوال مفادها أن تجدد الحرب ضد حزب الله أمر لا مفرّ منه، بل ومن المتوقع أن يحدث قريبًا. ويستند هذا التقدير إلى المعطيات التالية:
• ينجح حزب الله في إعادة التسلّح وبناء قوته العسكرية التي تضررت بشكل كبير قبل نحو عام، وفي الوقت نفسه تفشل الحكومة اللبنانية في نزع سلاحه.
• بما أن الحكومة اللبنانية لم تفِ بالتزامها بتحييد القوة العسكرية لحزب الله — على الأقل من السلاح الثقيل — حتى مطلع عام 2026، فإن على إسرائيل أن تفرض ذلك بالقوة.
• ينبع هذا النهج العدواني من إسرائيل أيضًا من حجة أعمق: أحد الدروس الرئيسية التي استخلصتها إسرائيل من أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر هو أنه لا يجوز السماح لمنظمات إرهابية ضخمة مثل حماس أو حزب الله بإعادة التسلّح، وأنه يجب تدمير قوتها قبل أن تصبح مرعبة ومهدِّدة.
خمس أسباب تجعل على إسرائيل الامتناع عن خطوات عسكرية متسرّعة
1. منطقة الحدود هادئة
حتى الآن، تسود الهدوء منطقة الحدود: فحزب الله لا يتغاضى فقط عن وجود خمسة مواقع إسرائيلية داخل لبنان، بل يتغاضى أيضًا عن الضربات الإسرائيلية اليومية ضد أهداف تابعة له. وحتى اغتيال رئيس أركان حزب الله قبل نحو أسبوعين لم يستجر أي ردّ من الحزب.
2. المصلحة اللبنانية
لدى لبنان مصلحة حقيقية في تحييد حزب الله: فالأمر لا يقتصر على التزام رسمي، بل هو مصلحة لبنانية فعلية. صحيح أن وتيرة تفكيك قدرات حزب الله بطيئة، وأن عمليات الجيش اللبناني ضد التنظيم مترددة، لكن الاتجاه العام إيجابي. ويجدر التنويه إلى أن دولة إسرائيل، بكل قدراتها، لا تنجح هي الأخرى في جمع كل السلاح غير القانوني الموجود داخل إسرائيل، ولا سيما في المجتمع العربي وخصوصًا البدوي. وعليه، فإننا نتحدث عن تحدٍّ صعب ومهمة ستتطلب من الحكومة اللبنانية وجيشها سنوات عديدة حتى استكمالها.
3. الحزم الأميركي
من الأفضل لإسرائيل أن تتجنب احتكاكات غير ضرورية مع الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة مصمّمة على منح الحكومة اللبنانية فرصة. وإذا بادرت إسرائيل إلى حرب ضد حزب الله في فترة يسود فيها الهدوء على طول الحدود، فإنها ستخلق توترًا غير ضروري بينها وبين إدارة ترامب.
4. تصريحات إسرائيلية بلا أساس
لا يوجد أي أساس للتصريحات التي تقول إن إسرائيل ستقوم بتفكيك حزب الله بالقوة إذا لم تفعل الحكومة اللبنانية ذلك. من الواضح أن لدى إسرائيل قدرات لإلحاق أضرار بأصول مهمة لحزب الله، كما فعلت في عام 2024، إلا أن التنظيم لن ينهار نتيجة لذلك. يجب التذكير بأن قوات حزب الله ووسائل قتاله موجودة، كما في غزة، داخل تجمعات سكانية مدنية. حرب جديدة مع حزب الله ستؤدي مرة أخرى إلى دمار واسع في لبنان. وأكثر من ذلك، إذا تشكّل لدى الرأي العام اللبناني انطباع بأن لا مبرر للعدوان الإسرائيلي، فقد يعزّز ذلك مكانة حزب الله.
5. غالبية اللبنانيين لا يؤيدون حزب الله
على خلاف ساحة غزة، حيث تؤيد الغالبية الساحقة من السكان أيديولوجية حماس الرامية إلى تدمير دولة إسرائيل وترى فيها الحل الوحيد لمعاناة الغزيين، فإن الوضع في لبنان مختلف. فالغالبية العظمى من اللبنانيين تدرك أن حزب الله جلب فقط الدمار والخراب إلى دولتهم. معظم اللبنانيين، بل وحتى جزء من الطائفة الشيعية، يدعمون جهود الحكومة لتحويل لبنان إلى دولة طبيعية — أي دولة لا يحق فيها امتلاك قدرات عسكرية إلا للجهات الخاضعة للحكومة. بل وأكثر من ذلك، فإن غالبية اللبنانيين ترغب في التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل والاستفادة من علاقات اقتصادية بين البلدين.
خلاصة
إن ضعف إيران، وتغيير النظام في سوريا، والهوية الإيجابية لرئيس لبنان، والضغط الأميركي، قد تُزيل الخطر القادم من لبنان أو تقلّصه بشكل ملحوظ. صحيح أن الأمر يتطلب صبرًا، إذ من المرجّح أن تستغرق عملية تحييد قوة حزب الله خمس سنوات أو أكثر، لكن من الأفضل أن يكون المرء “صالحًا تُنجَز مهمته على أيدي الآخرين” بدل الإضرار بالمصلحة الإسرائيلية عبر ضربات عسكرية واسعة النطاق أكثر من اللازم.
إذا نجحت الولايات المتحدة في وقف تدفق الأموال من إيران إلى حزب الله — وهو ما لم تنجح فيه عام 2025 — فلن يواجه حزب الله صعوبة في إعادة بناء قوته فحسب، بل سيواجه صعوبة في الاستمرار أصلًا. أما إذا، خلافًا لهذا السيناريو المتفائل، رصدت إسرائيل أن حزب الله يتعزز عسكريًا وسياسيًا ويستعد للعمل ضدها، فبإمكانها تغيير نهجها والمبادرة إلى الضربة الأولى. ومع ذلك، فإن الصواب اليوم هو إعطاء فرصة للدبلوماسية، بالتوازي مع مواصلة تنفيذ عمليات عسكرية جراحية ضد أهداف نوعية لحزب الله، كما يفعل الجيش الإسرائيلي بنجاح منذ أكثر من عام