25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "مخبزُ المحبّة"!
"مخبزُ المحبّة"!
القاضي م جمال الحلو
2025-12-26
"مخبزُ المحبّة"!

هذه القصة رواها لي المحامي الأستاذ جهاد سبيتي، نقلًا عن أحد معارفه، وأنقلها بدوري إليكم مع شيءٍ من التصرّف في الصياغة، دون المساس بجوهرها الإنساني.

يقول الراوي:

اسمي العم أحمد، وأملك مخبزًا صغيرًا في حيٍّ شعبي منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
رائحة الخبز الساخن ليست عندي مهنة فحسب، بل حياة كاملة. شهد مخبزي أجيالًا تكبر، ووجوهًا تتبدّل، وكنت لا أبيع الخبز وحده، بل أقرأ في ملامح الناس ما يحتاجونه قبل أن ينطقوا به.

كنت ألاحظ رجلًا مسنًّا، أنيقًا رغم بساطة ملبسه، يأتي كل يوم عند الساعة الثانية بعد الظهر. يقف بعيدًا عن الزحام، يتأمل أرغفة الخبز، يخرج نقوده من جيبه، يعدّها ببطء، ثم يعيدها وينصرف من غير أن يشتري شيئًا.
كان وجهه يحكي قصة عزّة نفسٍ تصارع الجوع.

وفي أحد الأيام، قررت أن أجرّب حيلة بسيطة.
عندما حضر ووقف في مكانه المعتاد، ناديتُه بصوتٍ مرح: «يا أستاذ! يا حاج! مبروك! أنت الزبون رقم مئة اليوم!»

توقف متفاجئًا، وقال بصوت خافت: «أنا؟»

فأجبته مبتسمًا: «نعم، وهذا يعني أنك ربحت ربطتي خبز وكيسًا من أقراص العجوة هدية!»

احمرّ وجهه، وارتجفت يداه وهو يتناول الكيس، واغرورقت عيناه بالدموع، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم أنسها ما حييت.

منذ ذلك اليوم، وُلدت فكرة "المسابقات الوهمية".
مرة بمناسبة ذكرى افتتاح المخبز، ومرة لأن العجين زاد عن الحاجة. كانت وسيلتي لإدخال الفرح إلى قلوب المحتاجين من دون أن أجرح كرامتهم.

ومع مرور الوقت، تطورت الفكرة إلى ما سميناه “الرغيف المعلّق”.
علّقنا لوحة صغيرة داخل المخبز كتبنا عليها:

"يوجد اليوم خمسون رغيفًا مدفوع الثمن سلفًا…
لمن يحتاجه: اطلب حاجتك ولا تخجل."

بدأ بعض الزبائن يشترون أكثر من حاجتهم، ويتركون الفائض لغيرهم. شارك في ذلك العمال، والأطفال، وربّات البيوت، حتى لم يعد المخبز مجرد مكان لبيع الخبز، بل مصرفًا للكرامة الإنسانية.

أما الرجل العجوز — وقد علمت لاحقًا أنه أستاذ لغة عربية متقاعد — فقد صار يأتي كل يوم، يأخذ نصيبه من الخبز مرفوع الرأس، لأنه كان يدرك أن ما يناله ليس صدقة، بل هدية من مجتمع يشعر به ويحترمه.

وقبل وفاته بشهر، أهداني كتابًا قديمًا نادرًا، كتب على صفحته الأولى:

«إلى العم أحمد…
الذي كان يخبز الحب قبل الخبز.
شكرًا لأنك لم تجعلني أنام جائعًا،
ولم تجعلني أنام مكسورًا.»

اليوم، يدير أولادي المخبز، وكانت وصيتي لهم واضحة:

«باب المخبز لا يُغلق في وجه جائع،
واللوحة أهم من الخزنة.»

لقد أدركنا مع الزمن أننا لا نطعم الناس خبزًا فحسب،
بل نطعمهم الإحساس بأن الدنيا ما زالت بخير.

خلاصة القول:
الخير مُعدٍ، والكرامة أثمن من المال.
وليس شرطًا أن تكون غنيًا لتُحسن إلى غيرك؛
يكفي أن تكون إنسانًا.
فبخطوة صغيرة، يمكننا أن نزرع المحبة في القلوب،
ونبني مجتمعًا يقوم على الرحمة والتكافل.

جنوبيات
أخبار مماثلة