25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حين يُكافأ النفاق… ويُعاقَب قولُ الحقّ"!
"حين يُكافأ النفاق… ويُعاقَب قولُ الحقّ"!
القاضي م جمال الحلو
2025-12-27
"حين يُكافأ النفاق… ويُعاقَب قولُ الحقّ"!

يُروى في سالف العصر والأوان، وفي زمنٍ طغى فيه النفاق والخذلان، أنّ شاعرًا منافقًا دخل عشيّة يومٍ على أحد الأمراء، فقال له:

— صباح الخير!

فأنكر الأمير قوله، وأجابه غاضبًا:
— أتهزأ بي يا هذا، فتُصبّحني في المساء؟

فأدرك الشاعر زلّته، وأنشد على البديهة قائلًا:

صبّحتُه عند المساءِ فقال لي
أتهزأُ بقدري أم تريدُ مزاحا؟
فأجبتُه إشراقُ وجهِك غرّني
حتّى توهّمتُ المساءَ صباحا

عندها اهتزّ الأمير في مجلسه، وتمايل طربًا لأبيات الشاعر، وأجزل له العطاء.
وكان ذاك الحدث، كما يُروى، بداية ما عُرف لاحقًا بالتطبيل والتزمير.

ومنذ ذلك اليوم ازدهر النفاق، وفسدت الأخلاق، وضاعت حقوق العباد في بلاط حكّام الاستبداد؛ أولئك الذين يُغدقون العطاء على من ينافقهم، ويُوصِدون أبواب الخير في وجه من يُصارحهم بقول الحقّ.
صار القرب من السلطان يُقاس بمدى الانحناء، لا بعلوّ الهامة، وبحسن المديح لا بصدق الكلمة.

وهكذا لم يعد البلاط مرآةً للعدل، بل مسرحًا للأقنعة، تُقاس فيه القيم بمدى الطرب الذي تُحدثه الكلمات، لا بصدقها، ويُوزن الرجال بما يقدّمونه من ثناء، لا بما يحملونه من أمانة.
غدا الكذب لباقة، والنفاق حنكة، والسكوت عن الظلم حكمةً يُثاب عليها، بينما أُقصي الصادقون إلى هامش الخيبة، واتُّهموا بالوقاحة لأنهم قالوا ما لا يُقال.
وفي هذا المناخ الخانق، لا يُقتل الحقّ دفعةً واحدة، بل يُخنق ببطء، تحت تصفيق المطبّلين، ورضا الحاكم عن صدى صوته في أفواههم.

ألا سُحقًا لزمنٍ صار فيه النفاق جسرًا لعطاء اللئام، وأضحى فيه الكرام أسرى الحرقة والآلام، وغدا قول الحقّ غير مسموع، والباطل في قلوب الحكّام مطبوعًا.
زمنٍ صار فيه كلّ ممنوعٍ مرغوبًا، وكلّ ما يُطلب لحسن العيش مقلوبًا، بسحر الطيش وسوء التدبير.

أعاننا الله على الصبر والسلوان،
وعسى ان نحيا لنشهد قيامة لبنان من جديد.


القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة