ديانا عبده
مع انبلاج الصباح، وقبل أن تشتد حركة الأزقة الضيقة في مخيم عين الحلوة، يبدأ السوق بالاستيقاظ على إيقاعه الخاص.
تُرفع الأبواب المعدنية بصوتها المألوف، تُرصّ البضائع بعناية، وتُسمع التحيات الأولى بين الباعة وكأنها طقس يومي يؤكد أن الحياة، على الرغم من كل شيء، ما زالت مستمرة.
في هذا السوق، لكل زاوية حكاية، ولكل بائع قصة تعبٍ وأمل.
شباب يحملون أكثر من بضاعة
على أحد البسطات الصغيرة، يقف شاب في أوائل العشرينات من عمره، يبيع الخضار بابتسامة لا تفارقه.
بين زبون وآخر، يتحدث بثقة عن الأسعار، ويحسب الحسابات بسرعة لافتة. قليلون يعرفون أنه يحمل شهادة جامعية في اختصاص إدارة الأعمال، وأن هذه البسطة هي أول مشروع يديره بنفسه، بعد أن اصطدم بواقع البطالة وندرة فرص العمل.
يقول: "الدراسة علمتني كيف أتعامل مع الناس، وكيف أنظم عملي. السوق علّمني الصبر".
السوق مدرسة حياة
غير بعيد عنه، يعمل شاب آخر في بيع الملابس. يعرف ذوق زبائنه جيداً، ويجيد إقناعهم دون إلحاح.
تعلّم مهارة التواصل من مقاعد الدراسة، وصقلها في السوق، حيث لا مكان للخجل أو التردد.
هنا، لا تُقاس القيمة بالشهادة فقط، بل بالقدرة على الصمود، وبالاستعداد لتحويل المعرفة إلى عمل.
في السوق، يصبح الشباب محاسبين، ومسوقين، وباعة، وأحياناً معالجين نفسيين، يستمعون لهموم الزبائن كما يعرضون بضاعتهم.
نساء السوق… شركاء في الحكاية
ولا تكتمل صورة السوق دون ذكر النساء، اللواتي يحضرن يوميا للتسوق أو للعمل. سيدة خمسينية تبيع الأعشاب والبهارات، تعرف فوائد كل نبتة، وتروي للزبائن قصصاً عن وصفات قديمة توارثتها عن والدتها.
بسطتها الصغيرة ليست مجرد مصدر رزق، بل مساحة ذاكرة وهوية.
تقول بابتسامة هادئة: "هذا السوق ربّى أولادي، وعلّمهم كيف يعتمدون على أنفسهم".
التقاء الداخل بالخارج
يمتد السوق خارج حدود المخيم الاجتماعية، فيستقبل زواراً من المناطق المجاورة، يبحثون عن أسعار مناسبة أو منتجات طازجة. هذا التفاعل اليومي يكسر الحواجز، ويحوّل السوق إلى مساحة مشتركة يلتقي فيها المختلفون على حاجات الحياة البسيطة.
بالنسبة للشباب، يشكّل هذا الاختلاط فرصة ثمينة لاكتساب خبرة أوسع، وفهم أن السوق ليس فقط مكانا للبيع، بل نافذة على المجتمع الأوسع.
بين الضيق والأمل
على الرغم من ضيق الأزقة وقسوة الظروف الاقتصادية، يظل السوق شاهداً على قدرة أهالي المخيم، ولا سيما شبابه، على ابتكار سبل العيش بكرامة. هنا، لا تُروى القصص بصوتٍ عالٍ، بل تُكتب كل يوم بحركة يد، وبنظرة أمل، وبإصرار على الاستمرار.
في سوق عين الحلوة، قد تكون البضائع بسيطة، لكن الحكايات كبيرة، والوجوه المتعبة تخفي خلفها إيمانا عميقاً بأن الغد، مهما تأخر، لا بد أن يأتي.