ما أَحْوَجَ الأُمَمَ، في أَزْمِنَةِ الِاخْتِلاطِ وَاضْطِرابِ المَعايير، إِلى رِجالٍ يَجْمَعونَ بَيْنَ سَخاءِ النَّفْسِ وَحَزْمِ القَرار، فَيُعْطونَ عَنْ قُدْرَةٍ، وَيَمْنَعونَ عَنْ بَصيرَةٍ، وَلا يَخْلِطونَ الجُودَ بِالتَّفْريطِ، وَلا الحَزْمَ بِالقَسْوَة.
فَالجُودُ، في مِيزانِ الحِكْمَة، لَيْسَ فَوْرَةَ عاطِفَةٍ عابِرَة، وَلا بَذْلًا أَعْمى يُرْضي اللَّحْظَةَ وَيُفْقِرُ الغَد، بَلْ هُوَ خُلُقٌ راسِخٌ، يُدارُ بِالعَقْلِ قَبْلَ اليَد، وَيَحْتَكِمُ إِلى مَصْلَحَةٍ عامَّةٍ لا إِلى هَوىً عارِض.
وَالحَازِمُ لَيْسَ مَنْ يَقْبِضُ يَدَهُ خَوْفًا، وَلا مَنْ يَتَشَدَّدُ لِذَاتِ التَّشَدُّد، بَلْ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ مَتى يُمْسِكُ، وَمَتى يُعْطي، وَمَتى يَقولُ «نَعَم» وَمَتى يَقُولُ «لا»، دُونَ أَنْ يَفْقِدَ إِنْسانِيَّتَهُ أَوْ يُساوِمَ عَلى كَرامَتِهِ.
إِنَّ أَخْطَرَ ما يُصيبُ المَجْتَمَعاتِ أَنْ يُفْهَمَ الجُودُ فَهْمًا مَقْلُوبًا، فَيُطالَبَ الكَريمُ بِأَنْ يَبْذُلَ حَتّى يَفْرَغَ، وَيُلامَ إِذا تَوَقَّفَ، كَأَنَّ العَطاءَ فَرْضٌ أَبَدِيٌّ لا يَحْتَمِلُ الحِساب. وَهُنا يَضيعُ التَّوازُن، وَيَتَحَوَّلُ الفَضْلُ إِلى عِبْء، وَالخُلُقُ إِلى مَصِيدَة.
مِنْ هُنا، كانَ الجُودُ الحَقُّ ذلِكَ الَّذي تَحْرُسُهُ يَدُ الحَازِم، فَلا تَبْذُلُ إِلّا في مَوْضِعِهِ، وَلا تَمْنَعُ إِلّا حِفْظًا لِحَقٍّ أَوْ دَرْءًا لِفَساد. جُودٌ يَبْني وَلا يَهْدِم، وَيُعِينُ وَلا يُعْوِز، وَيَرْفَعُ النّاسَ بِلا أَنْ يُسْقِطَ صاحِبَهُ.
وَما أَحْوَجَنا اليَوْمَ إِلى هذَا النَّوْعِ مِنَ الرِّجال، رِجالٍ إِذا أَعْطَوْا أَغْنَوْا، وَإِذا مَنَعُوا أَصْلَحُوا، وَإِذا تَقَدَّمُوا كانُوا مِيزانًا بَيْنَ الإِفْراطِ وَالتَّفْريط.
فَطُوبى لِمَنْ كانَ جُودُهُ جُودَهُ، لا يَسْتَعيرُهُ مِنْ أَحَد، وَيَداهُ يَدَا الحَازِم، تَحْمِلانِ العَطاءَ بِحِكْمَة، وَتَكُفّانِ عَنْهُ بِعَدْل. ذلِكَ هُوَ الجُودُ الَّذي يَبْقى، وَذلِكَ هُوَ الحَزْمُ الَّذي يُحْتَرَم.