مَرِضَ رجلٌ من أهلِ النحو، وكان مولعًا باللغةِ والسَّجع، فعاده جارُه في مرضه وسأله:
– ما بك؟
فأجاب النحويّ قائلًا:
حُمّى جاسية، ونارُها حامية،
منها الأعضاءُ واهية، والعظامُ بالية!
فقال له جارُه، وكان أُمِّيًّا:
– ليتها كانت القاضية!
فقال النحويّ:
– ليتني "أغلقتُ فاهِيَا، ولم أقل ما بِيَا"!
وذاتَ يومٍ، ذهب نحويٌّ ليعود مريضًا، فطرق الباب، ففتح له ابنُ صاحب الدار.
فقال له:
– كيف وجدتَ أباك؟
قال الولد:
– ورمت رجليه!
قال النحويّ:
– لا تُلحِن، قُل: ورمت رجلاه. ثمّ ماذا؟
قال:
– ثمّ وصل الورمُ إلى ركبتاه!
قال النحويّ:
– لا تُلحِن، قُل: إلى ركبتيه. ثمّ ماذا؟
قال الولد، وقد نفد صبرُه:
– مات، وأدخله الله مع عيالك: سيبويه، وجحشويه، ونفطويه، وابن خالويه، إلى عالم البرزخ…
وعُقبال عندك!
وفي يومٍ من أيّامِنا المعاصرة، حيث الطعنُ في الخاصرة، مرّ نحويٌّ من سلالةِ ابن هشام بلبنانيٍّ يُدعى بسّام.
وبعد السلام، سأله عن أحوالِ أهلِ لبنان.
قال بسّام:
– تسألني عن الأحوال؟
راح المال، وجاعت العيال، وحلّ الوبال،
فلا ماءَ ولا كهرباء،
واستفحل الداءُ ولا دواء،
وساد الفسادُ في البلاد،
وزاد الظلمُ والاستبداد،
وصرنا أمام الموت على استعدادٍ،
لملاقاةِ ربِّ العباد.
أكل السياسيّ الأخضرَ واليابس،
وأعطانا «الطَّرشة» غير آبهٍ ولا حاسِس،
ليلُنا دامس، ونهارُنا دالس،
طفلُنا عابس، وكبيرُنا مُفلِس،
وصغيرُنا تاعس،
القلبُ نخره الوجع،
والعينُ أغشاها الدمع،
وزاد الجشعُ والطمع،
واختربت الديار،
وارتفع الدولار،
وغلت الأسعار!
قال النحويّ متعجّبًا:
– وما هو الدولار؟
أجاب بسّام، بلوعةِ الأسى، وقد فارقته البسمةُ منذ زمن:
– الدولارُ جبلٌ من نار،
فيه العقلُ احتار،
وتلوّع منه الصغيرُ والختيار،
وهو يسبح في المدار،
في فلكٍ من الأسرار!
قال النحويّ:
– أهو مثلُ الدِّينار؟
قال بسّام:
– كلّا، فالدِّينارُ ثابت، والدولارُ متحرّك!
قال النحويّ:
– وماذا عن عملتكم الوطنيّة؟ الليرةُ اللبنانيّة، على ما أظنّ؟
قال بسّام:
– أعظمَ اللهُ أجركم، وأحسنَ عزاءكم، وغفر لميتكم…
لقد ماتت من القهرِ والعذاب،
على أبوابِ مُسيلمةَ الكذّاب!
قال النحويّ، وقد ازداد عجبُه:
– وهل تنفع الليرةُ لشيء؟
فكان الجوابُ المضحكُ المُبكي:
– الليرةُ ليس لها صاحب،
تنفع فقط للرواتبِ والمعاشات،
ومن اعتمد عليها… مات!
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون…