لم يكن الأستاذ نوّاف الرّعد، مدير المدرسة المعروف بصرامته وانضباطه، يتوقّع أن تبدأ مأساته ـ أو هكذا ظنّ ـ مع فجر يوم هادئ.
كان يراجع بعض الأوراق حين سمع طرقًا خفيفًا على الباب. فتحه فوجد ظرفًا بلا اسم، فساوره القلق قبل أن يفضّه بحذر. وما إن قرأ العبارة المكتوبة بخطٍ مرتجف حتى شحب وجهه كأنما رأى شبحًا:
"مت شهيدًا."
تجمّدت أنفاسه، واتسعت عيناه، وراح يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا. تساءل في أعماقه: من ذا الذي يتوعّده؟ ولماذا؟ وكيف وصل الظّرف إلى بيته؟
وفي تلك اللحظة، قرر أن احتياطًا صغيرًا لن يضرّ… فاستدعى على الفور حدّادًا، وطلب منه بابًا حديديًا يكفي لصدّ جيشٍ بأكمله. أما مأساة الخروج من المنزل، فقد حلّها بأن تقمّص شخصية عجوز منحنٍ يحمل عصًا ويرتدي نظّارة سميكة، كأنما خرج للتو من إحدى مسرحيات الهواة.
مرّت الأيام ثقيلة، لا يسمع فيها الأستاذ سوى صوت دقّات قلبه. كان يستيقظ مرات عدّة ليلًا ليطمئن إلى قفل الباب، ويتفقد النّوافذ بقلقٍ مبالغ فيه. ولم يدرِ أن المدينة بأكملها تعيش حياة طبيعية، بينما يعيش هو فيلمًا من إنتاج خياله وحده.
وفي نهاية الأسبوع، خرج مضطرًا لشراء بعض الحاجيات، مختبئًا تحت قبّعة واسعة ومعطف لا يليق إلا بشهر كانون. وبينما كان يتسلّل بين الأزقة، استوقفه صوت مألوف:
"أستاذ نوّاف! الحمد لله التقيت بك… ليش ما رديت على رسالتي؟"
تجمّد الأستاذ في مكانه، وشحب وجهه مرة أخرى، ثم تمتم:
— أي… أي رسالة؟
ابتسم الطالب ابتسامة بريئة وقال ببساطة أربكت كل مشاعر الرّعب داخله:
— الرسالة اللي سألتك فيها: متى الشّهادات؟
كتبتها بسرعة، يمكن ما انتبهت للكتابة!
في تلك اللحظة شعر نوّاف بأن العالم سدّد إليه لكمة لطيفة من السّخرية. ارتخت كتفاه، ثم تنفّس أخيرًا ضحكة خجولة ظنّ أنه فقدها منذ زمن. ولأول مرة منذ أسبوع، شعر بأن الحياة أقل قسوة وأكثر طرافة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح الأستاذ نوّاف يراجع كل كلمة تصل إليه، ويعيد قراءتها مرّتين، ويقول مبتسمًا لزملائه:
"تعلمت أنّ بعض الكلمات… لا تحتاج إلى باب حديدي، بل إلى نظّارة جيّدة."