مع اقتراب الاستحقاق النيابي في لبنان يبرز سؤال جوهري حول دور التربية في تشكيل الوعي السياسي لا سيّما في ظل واقع حزبي يعاني من التبعية والتعصّب وغياب التفكير النقدي …ففي الدول المتحضّرة لا يُنظر إلى العمل الحزبي كولاء أعمى بل كنتيجة طبيعية لتربية مدنية ترسّخ قيم المواطنة والمساءلة واحترام التنوّع السياسي وتبدأ هذه التربية في المدارس والجامعات حيث يتعلّم الطلاب مبادئ الدستور وآليات العمل الديمقراطي وحق الاختلاف وأهمية المشاركة الواعية في الشأن العام. فالتلميذ الذي يُربّى على النقاش الحر وتحليل البرامج واحترام الرأي الآخر يصبح ناخباً قادراً على الاختيار على أساس الكفاءة والرؤية لا على أساس الخوف أو الانتماء الضيّق.
في المقابل يعاني النظام التربوي في لبنان من تهميش التربية المدنية مقابل هيمنة ثقافة التلقين والطاعة مما ينعكس مباشرة على السلوك السياسي فالتربية المدنية المهمَّشة وغياب القادة السياسيين القدوة يُنتجان معاً وعياً سياسياً مشوَّهاً لدى الأجيال الصاعدة حيث يرث الكثير من المواطنين انتماءهم الحزبي كما يرثون الطائفة أو العائلة دون مساءلة أو مراجعة فتتحوّل الأحزاب إلى هويات مغلقة لا مشاريع وطنية.
إنّ أي إصلاح حقيقي للحياة السياسية في لبنان وخصوصاً في مرحلة انتخابية مفصلية لا يمكن أن يتحقّق من دون إعادة الاعتبار لدور التربية في بناء مواطن حرّ ناقد ومسؤول فصندوق الاقتراع لا يكون أداة تغيير فعّالة إلا حين تسبقه مدرسة تُعلّم التفكير لا الاصطفاف والمواطنة لا التبعية.