رحم الله الفقيه القانوني، رجل القضاء المميّز، الرئيس الأوّل القاضي الدكتور عاطف النقيب، فقد كان يقول لي: «القضاء العادل والمستقلّ مفتاح كافّة الحلول».
وبالفعل، كم نحن بحاجة، في هذه الظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد، إلى قانونٍ لاستقلاليّة السلطة القضائيّة بشكلٍ كامل، وعلى جميع المستويات.
ناهيك عمّا وصل إليه وضع القاضي المادّيّ والمعنويّ، بل الصحّيّ والتربويّ والاجتماعيّ أيضًا. أضف إلى ذلك أنّ الوضع القضائيّ بات حكايةً تتداولها الألسن بخفّة وقِلّة احترام. وتجدر الإشارة إلى أنّه ينبغي محاسبة بعض القضاة الذين شوّهوا سمعة القضاء وجعلوه حديث الناس لأتفه الأسباب.
وبالعودة إلى مسألة استقلاليّة القضاء، فإنّ من شأنها تعزيز ثقة المواطن اللبنانيّ بدولته؛ هذا الشعب الكادح التوّاق إلى العدالة على الصُعد الاجتماعيّة والاقتصاديّة كلّها، والأهمّ من ذلك الصعيد الإنسانيّ الذي بدأ يتآكل في ظلّ ظروفٍ صعبة، نتيجة الفساد والاستبداد السياسيَّيْن والإداريَّيْن، ممّا انعكس سلبًا على حياة المواطنين البائسين.
القضاء، بل القضاء العادل وحده، هو السبيل الوحيد لبناء نظامٍ مجتمعيّ يرتكز على حسن التصرّف والحسّ بالمسؤوليّة لدى من يتولّون واجب إدارة البلاد، تحقيقًا للعدالة الاجتماعيّة الحقّة.
القضاء هو محور الارتكاز في حفظ الكرامات، ورفع الاعتداءات، ودرء المفاسد والمظلومات. وهو السبيل لتحقيق مطلب المواطن اللبنانيّ بدولة عادلة، منصفة، وفاعلة في تحقيق أحلامه المُحقّة.
ولستُ ممّن يستعمل التبخير لحاجةٍ خاصّة، ولا لتسخير مطالب غير مُحقّة، كما لستُ أسعى إلى منصبٍ أتّكئ عليه لنيل جائزة ترضية. إنّها صرخة وجع في وجه مستبدّ، ولا يُداويها إلّا القضاء المستقيم.
أيّها المُشرّعون، كي تنجوا من عواقب الأمور، ولكي يظهر المستور وتخفّ الشرور، سارعوا إلى إقرار قانون استقلاليّة السلطة القضائيّة بشكلٍ كامل وفاعل، لتتمكّنوا من الإسهام في بناء سلطة القانون على أُسسٍ صلبة وسليمة.
وبوجود قضاة أفاضل، مسلّحين بالعلم والمعرفة والأخلاق، ستتحقّق الآمال، وينفسح المجال أمام لبنان العدالة، لبنان الحقّ، لبنان الخير، لبنان الوطن الحرّ والسيّد والمستقلّ.
وأخيرًا وليس آخرًا، القضاء حاجةٌ ضروريّة لبناء صرح العدالة على أسسٍ سليمة ومتينة، لقيام دولة القانون وتحقيق العدل المرجوّ الذي يولّد الشعور بالأمان والاطمئنان وراحة البال. فهو الأساس لقيام تلك الدولة، وليس مجرّد ديباجة تُستهلّ بها الأحكام بذكر المحكمة ومكانها وقضاتها وتاريخ صدورها. وإن كانت تلك القواعد جوهريّة، إلّا أنّ الأساس يبقى تحقيق العدل في بلدٍ أصبح في أمسّ الحاجة إلى تظهير الصورة الحقيقيّة لمحاربة الفساد والاستبداد، وزجّ الفاسدين في السجون.
وعندها فقط سيتحقّق ما نصبو إليه جميعًا، مصداقًا لقوله تعالى في محكم تنزيله: ﴿ولا يجرمنّكم شنآنُ قومٍ على ألّا تعدلوا، اعدلوا هو أقربُ للتقوى﴾. صدق الله العظيم.