25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "السُّكْنَى المُؤَجَّلَة"!
"السُّكْنَى المُؤَجَّلَة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-02-11
"السُّكْنَى المُؤَجَّلَة"!

في حياةٍ تتكاثر فيها الغفلات كما تتكاثر الأحلام، قليلٌ هم الذين يوقظون في القلب بصيرته الأولى. ومن هؤلاء، يظلّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه منارةً تهدي الضالّ، وتوقظ الغافل، وتعيد للإنسان موقعه الحقيقي بين الفناء والخلود. ولعلّ من أعجب ما رُوي عنه تلك الحادثة التي تكشف للروح حقيقتها بلا زخارف.

جاءه رجلٌ يرجوه أن يكتب له عقد دارٍ اشتراها، فكتب الإمام عقدًا لا يشبه عقود الناس، عقدًا يخترق حدود الورق إلى حدود المصير. كتب يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

"اشترى ميتٌ من ميتٍ دارًا في بلد المذنبين، وسِكَةِ الغافلين، لها أربعةُ حدود:
حدٌّ ينتهي إلى الموت، وحدٌّ ينتهي إلى القبر، وحدٌّ ينتهي إلى الحساب، وحدٌّ ينتهي إمّا إلى الجنة وإما إلى النار."

لم تكن الكلمات جملةً تُقرأ، بل كانت يقظةً تهدم قصر الوهم الذي بناه الرجل في قلبه. فبكى، وعلم أنّ الإمام أراد أن يذكّره بالدار الباقية قبل أن تسرقه الدار الفانية. فأعلن أنّه تصدّق بداره على أبناء السبيل.

هنالك أنشد الإمام عليّ قصيدته الشهيرة، تلك التي لا تزال—رغم قرون طويلة—تغرس في النفوس هشاشة الدنيا وصلابة الآخرة:

النفسُ تبكي على الدنيا وقد علمتْ
أنَّ السعادةَ فيها تركُ ما فيها

لا دارَ للمرءِ بعدَ الموتِ يسكنُها
إلّا التي كان قبلَ الموتِ بانيها

قصيدةٌ تهدم بكلمةٍ ما لا تهدمه المواعظ المطوّلة، وتعيد ترتيب الداخل كما يعيد الفجر ترتيب الليل قبل انبثاقه.

وفي جوهر هذه القصة يتجلّى المعنى العميق للسُّكنى المؤجَّلة؛ فالدنيا ليست دار إقامة، بل معبرًا يُشيّد فيه المرء أساس بيته الحقيقي. نحن لا نُطالَب بأن نترك الدنيا، بل بأن نضعها في حجمها، فلا نُسكن القلب في بيتٍ سنغادره، ولا ننسى البيت الذي سنسكنه أبدًا.

إنّ دار الآخرة تُبنى هنا لا هناك؛ تُبنى بصدقٍ في العمل، وبرٍّ في السرّ، وركعةٍ في جوف الليل. هي دارٌ تُشيّد بنور لا بحجر. ومن قصّر في بنائها، عاش في الدنيا عابرًا، وفي الآخرة نادمًا.

وفي زمنٍ يطغى فيه وهج المادّة وتذوب فيه المعاني، تبقى كلمات الإمام عليّ حدًّا قاطعًا بين غفلتين:
حدٌّ يذكّر بالفناء، وحدٌّ يعد بالخلود.

فما أروع أن يبلغ الإنسان السكنى المؤجَّلة وهو مطمئنّ، وقد بنى لها بيديه ما يعينه على المقام الكريم.

جنوبيات
أخبار مماثلة