هناك أيّامٌ عِجافٌ ستمرّ بك، تُرهقك وتُشعرك أنّها النهاية، وتخيّل إليك أنّ الأبواب كلّها قد أُغلقت. ثمّ تأتي بعدها أيّامٌ تُغاث فيها، وترتوي من فيض الرحيم الكريم؛ فاصبر، وأحسنِ الظنّ بالله. فما بعد الصبر إلا الفرج، وما بعد الضيق إلا كرم العطاء من ربّ السماء، وما بين العتمة والضياء طريقٌ خفيّ يسوقه الله بك من الضيق إلى النور.
ولذا قيل:
"الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته
لكن عواقبه أحلى من العسل".
قد تضيق ثمّ تنفرج دنياك فجأة؛ قد يكون ذلك بسبب دعواتٍ عانقت السماء من فقيرٍ أعنته، أو حزينٍ أسعدته، أو عابرٍ ابتسمتَ له، أو مكروبٍ نفّستَ عنه، أو صديقٍ أخطأتَ بحقّه فسامحك واستغفر لك وله. فلا تستهن بفعل الخير أبدًا، فبذرةُ المعروف لا تضيع، وإن خفيت عن العيون.
فما تزرعه خفيّةً في قلوب الناس، ينبت نورًا في طريقك حين تشتدّ العتمة؛ واللطف الذي تظنّه عابرًا قد يكون عند الله عظيم الأثر، وقد يكون هو الجسر الذي تعبر به من الانقباض إلى السَّعة، ومن الكدر إلى الصفاء.
فليس كلّ ما تعرفه يريح القلب ويزيل الهمّ؛ فبعض الأشياء أجمل لو بقيت مجهولة، وبعض الأقدار رحمةٌ مستترة، لا يُكشف لطفها إلا بعد حين.
سلامًا لمن يُخفون أحزانهم وبراكين همومهم بالهدوء والابتسامات الجميلة،
سلامًا لمن يؤثرون الكتمان على البوح،
سلامًا لمن لا يحبّون تسوّل الشفقة وعطف الآخرين،
سلامًا لمن ينعكس في ملامحهم جمالٌ أخّاذ،
وسلامًا لمن لا يعرفون الكره والحقد،
ويلتمسون العذر لغيرهم دائمًا.
وقد صدق الشاعر عندما قال:
"ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها
فرجت، وكنت أظنّها لا تُفرَج".
وأختم لأقول: اللهمّ إنّا نسألك صدق التوكّل عليك، وحسن اللجوء إليك، وأن تنقل قلوبنا وأحوالنا من الضيق إلى النور.
آمين…