25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "شفيق جدايل… صوتٌ صار أُمّة"
"شفيق جدايل… صوتٌ صار أُمّة"
القاضي م جمال الحلو
2026-02-21
"شفيق جدايل… صوتٌ صار أُمّة"

 

حين يُذكر شفيق جدايل، لا يُستعاد اسمٌ في سجلّ الإعلام فحسب، بل تُستعاد مرحلةٌ مضيئة من تاريخ الصوت العربي في لبنان. كان صوته وقورًا كأنما خرج من محراب اللغة، رزينًا كأنما تمرّس في بلاط البيان، حتى ليخيَّل إلى السامع أن الفصحى اختارته رسولًا لها في الأثير.

في بدايات الإذاعة اللبنانية، كان من روّادها الأوائل وصُنّاع مجدها. أسهم في صوغ خطابها، وتهذيب لغتها، وترسيخ معايير الأداء فيها، فغدت مدرسةً قائمة بذاتها. لم يكن مذيعًا يؤدي نصًّا، بل كان نصًّا يُؤدّى؛ وكانت نبرته ميزانًا يُقاس عليه. ومن هنا استحق لقب "عميد المذيعين العرب"، إذ خرّج أجيالًا من الإعلاميين، وبثّ فيهم صرامة الحرف وأمانة الكلمة.

وكان شاعرًا رفيع الحسّ، كتب للوطن كما كتب للوجدان. ومن أبهى الشهادات على منزلته الشعرية أن سفيرتنا إلى النجوم، صاحبة الصوت الملائكي، فيروز، غنّت له عام 1953 رائعته:
«تعالَ تعالَ… كفاكَ دلال»،
فتحلّقت القصيدة في فضاء الطرب اللبناني، وصار الحرف لحنًا، واللحن ذاكرةً لا تُمحى.

وفي ميدان التربية، درّس اللغة العربية في مدرسة "أبي بكر الصديق" في بيروت، مؤمنًا بأن العربية هويةٌ تُصان قبل أن تكون مادةً تُدرَّس. فكان المعلم الذي يزرع في طلابه مهابة اللفظ قبل حفظ القواعد، ومحبة البيان قبل إتقان الإعراب.

أما في الحركة الكشفية، فقد كان له فيها سهمٌ وافر وأثرٌ راسخ. أسهم في نهضتها في لبنان، وشارك في تأسيس حركة "الكشاف المسلم"، وقادها بروح المربي وقلب الشاعر، وكتب لها أناشيد جميلة ما زالت تتردّد في ساحات المخيمات وصفوف الطلائع. وكان يرى في النشيد الكشفي تربيةً على الانضباط والانتماء، كما يرى في القصيدة الوطنية تربيةً على الكرامة. وقد نال تقديرًا واسعًا في هذا الميدان، ومُنح الأوسمة الرفيعة تكريمًا لعطائه وإقرارًا بمقامه السامي في خدمة الثقافة والوطن.

وكان أول من نقل شعائر الحج عبر الأثير، فجمع بين الرسالة الإعلامية والروحانية، وجعل من صوته جسرًا بين الناس ومشاعرهم الإيمانية.

وفي حياته الخاصة، اقترن بالسيدة الفاضلة الراحلة كوثر الكردي، فكانت شريكة دربه، وأنجب منها أبناءً حملوا اسمه بجدارة:
القاضية المميزة رلى جدايل التي شغلت "قبل تقاعدها" منصب المدير العام لدى وزارة العدل،
والدكتور أسامة جدايل،
والأستاذ بلال جدايل،
فبقي البيت الذي أسسه بيت خدمةٍ عامةٍ وعلمٍ ورسالة.

رحل في بيروت ليلة الحادي والعشرين من تشرين الثاني عام 1985 إثر نوبةٍ قلبية، غير أن صوته بقي حاضرًا في ذاكرة الوطن، وفي أرشيف الإذاعة، وفي وجدان كل من عرف قيمة الكلمة حين تُصان.

هكذا يُخلَّد الرجال: لا بطول أعمارهم، بل بامتداد أثرهم. وكان شفيق جدايل أثرًا لا ينقطع، وصوتًا صار أُمّة.

سلامٌ عليه في عليائه، وسلامٌ على صوته الذي ما زال يعلّمنا كيف تكون الكلمة شرفًا ورسالة.


القاضي م جمال الحلو

أخبار مماثلة