لا أحد يمنحك ما ترغبه في الوقت الذي تشتهيه، لكنّ الله وحده يمنحك ما تستحقّ في الوقت الذي يعلم أنّه خيرٌ لك؛ فهو سبحانه يعلم السرّ وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
رائعٌ أن تصمت في مكانٍ تضجّ فيه الأصوات، والأروع أن يكون صمتك حكمةً لا سلبيّة، واتّزانًا لا عجزًا. فليس كلّ سكوتٍ ضعفًا، ولا كلّ كلامٍ قوّة؛ إذ إنّ الكلمة مسؤولية، والصمت أحيانًا موقفٌ أبلغ من الخُطب.
وقد قيل قديمًا من أقوال الحكماء:
ظاهر العتاب خيرٌ من باطن الحقد، ومن وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره. فمن تواضع لله رفعه، وأعزّه، وأكرمه، وزرع محبّته في قلوب عارفيه.
فجواهر الأخلاق لا تكشفها الادّعاءات، بل تُظهرها المعاشرة، حيث تبرز مقوّمات القيم عبر التعامل والتواصل القائمين على حسن التصرّف وصدق النيّة. والإنسان بأخلاقه يسمو، وبها يُعرف قدره بين الناس.
وقد قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
إرضاءُ جميع الناس غايةٌ لا تُدرَك، بينما رضا الله غايةٌ لا تُترَك؛ فاترك ما لا يُدرَك لأجل ما لا يُترَك، وازن خطواتك بميزان الضمير قبل أن تزنها بميزان الناس.
وقد قيل: «صمتٌ تسلم به خيرٌ من نطقٍ تندم عليه». فإن لم تقل خيرًا فاصمت؛ فالسكوت عند الحاجة بيان، والصمت في موضع الحكمة تبيان. وكم من كلمةٍ قالت لصاحبها دعني، وكم من صمتٍ رفع قدر صاحبه وأعلى شأنه.
وقال أحد الحكماء:
لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك.
فاجعل لسانك ترجمان قلبٍ نقيّ، واجعل قلبك موصولًا بالله؛ فإذا استقامت السريرة استقام القول، وإذا طابت النيّة طاب الأثر، وكان حضورك في الناس أثرًا طيّبًا وإن قلّ كلامك.