24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم القيادة التربوية في لبنان.. من استراتيجيات البقاء إلى صيرورة الابتكار
القيادة التربوية في لبنان.. من استراتيجيات البقاء إلى صيرورة الابتكار
علي خليل ترحيني
2026-02-25
القيادة التربوية في لبنان.. من استراتيجيات البقاء إلى صيرورة الابتكار

في اللحظات التاريخية الحرجة التي يمر بها لبنان، وفي قلب المعاناة التي تعيشها المدارس الرسمية ولا سيما في الجنوب الصامد، لم تعد القيادة التربوية مجرد تراتبية إدارية داخل هيكلية جامدة، بل تحولت إلى رسالة وجودية وصيغة نضالية مدنية تعيد نسج الرابط الوثيق بين المؤسسة التعليمية وبيئتها المجتمعية. إن ما نشهده اليوم في مدارس صيدا والجنوب يمثل خروجاً عن القوالب البيروقراطية العتيقة نحو فضاء أرحب من المبادرة الذاتية، حيث استحال المدير والمعلم إلى "مستنهض للهمة" في مواجهة الانكفاء، محولين التحديات الوجودية إلى مادة دسمة لابتكار الحلول وتكريس السيادة المعرفية.

إن الواقع التربوي الراهن يعاني مما يمكن وصفه بالانسداد الهيكلي، وهو نتاج تصادم حتمي بين نمط "إدارة اللحظة" القائم على الانفعال ورد الفعل، وبين ضرورة "القيادة التحولية" التي تستشرف آفاق الغد. ومع ذلك، فإن التجربة الميدانية التي شملت سبعين مدرسة رسمية في صيدا وقرى المواجهة، كشفت عن إنجازات صامتة وعميقة؛ إذ أدرك قادة هذه المؤسسات أن التخطيط في زمن الانهيار هو الملاذ الوحيد لضمان الاستمرارية. لقد اجترح هؤلاء القادة "لامركزية ميدانية" نابعة من رحم الحاجة، حيث تمكنوا من تطويع التقنية عبر حقائب تعليمية تعمل بمعزل عن عوائق الاتصال، واستبدلوا العجز الطاقوي بمنظومات الطاقة البديلة، مما أدى إلى تقليص الفاقد التعليمي بنسب وازنة، محققين بذلك انتصاراً معنوياً ومادياً على قسوة الظروف.

يواجه القطاع التربوي اليوم تحديات مركبة؛ تبدأ بتلاشي القدرات التشغيلية والمالية، مرورا بنزيف الكفاءات البشرية التي تمثل الرأس المال الحقيقي للمهنة، وصولاً إلى الفجوات المعرفية التي خلفتها الانقطاعات القسرية. وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى نموذج قيادي يدمج بين المرونة والصلابة، حيث يتجلى دور المدير كمهندس للتعاضد الاجتماعي، خاصة في ظل موجات النزوح، محولاً الصروح التربوية إلى واحات لاحتضان الكل اللبناني دون تفرقة، ومكرساً قيم التآخي الميداني كبديل عن الصراعات الهامشية.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي من السلطات المحلية والبلديات في الجنوب وكافة الربوع اللبنانية، أن تنظر إلى المدرسة الرسمية بوصفها الحصن الأخير للتماسك المجتمعي والضمانة الحقيقية للأجيال الصاعدة، لاسيما للفئات التي تعاني ضيق العيش. إن دعم هذه المدارس لا ينبغي أن يكون عملاً إغاثياً عابراً، بل يجب أن يتأصل كبند ثابت في الرؤى التنموية المحلية، من خلال تعزيز الشراكات بين القطاعات المختلفة لتأمين الاستدامة اللوجستية والتقنية.

وبناءً على هذه القراءة الميدانية، تتبلور ملامح الحل في استراتيجيات وطنية شاملة؛ أولها تمكين المدارس من استقلالية إدارية وفنية تتيح لها سرعة الاستجابة للمستجدات. وثانيها، السعي نحو سيادة تقنية متكاملة تحمي حق التعلم تحت أي ظرف. وثالثها، إعادة صياغة المناهج لتصبح أكثر ملامسة للواقع وأقدر على تزويد الطالب بمهارات القرن الحادي والعشرين بمرونة عالية. ورابعاً، إنصاف الإنسان في العملية التربوية، فالمعلم هو حجر الزاوية، وصموده يتطلب عقداً اجتماعياً ومعنوياً يصون كرامته. وأخيراً، بناء تكامل عضوي بين المدرسة والبلدية لضمان بيئة تعليمية حاضنة ومستقرة.

إن مدارسنا في صيدا والجنوب، بصمودها وابتكارها، تبعث برسالة إلى العالم أجمع: أن الإرادة التربوية حين تتسلح بالرؤية، تصبح "ساعة إشراق" تبدد ظلام الأزمات، وأن الاستثمار في الإنسان وتطوير مداركه هو السبيل الأوحد لبناء وطن سيد، حر، ومستقر.

جنوبيات
أخبار مماثلة