25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "في هدوء اللحظة يكمن السرّ"!
"في هدوء اللحظة يكمن السرّ"!
القاضي م جمال الحلو
2026-02-26
"في هدوء اللحظة يكمن السرّ"!

في زمن السرعة والانشغال الدائم، يعتقد الكثير منّا أنّ الفهم الحقيقي للحياة أو للوجود يتحقّق بالبحث المستمرّ، وبالتسابق مع الزمن، وبالركض وراء المعرفة. نحن نقرأ، نستمع، ونجرّب، ونظنّ أنّنا اقتربنا من الحقيقة حين نلتقط معلومة جديدة أو ننجز خطوة واضحة نحو هدفٍ معين. لكنّ الحقيقة التي تعلّمها التجارب والتأملّات العميقة تقول إنّ الفهم لا يأتي بهذه الطريقة. الفهم لا يُقاس بالسرعة ولا بالكمّ، بل بالهدوء وبالوعي للّحظة التي نعيشها.

حين يظنّ الإنسان أنّه قد أدرك كلّ شيء، غالبًا ما يكون قد بدأ للتوّ رحلة اكتشافه الحقيقيّة. المعرفة السريعة، أو الطمأنينة التي تأتي بمجرّد فهم أوّليّ، ليست سوى نسيم يمرّ على القلب ويترك إحساسًا مؤقّتًا بالراحة. إنّها ليست حكمة، بل مجرّد تهدئة للعقل قبل أن تشتدّ العاصفة. في هذه المرحلة، قد يغفل الإنسان عن أشياء صغيرة لكنّها عميقة؛ قد يغفل عمّا هو موجود حوله، بينما يلهث وراء ما يظنّ أنّه يحتاجه.

الهدوء هو المفتاح. كثير منّا يركض طويلًا في طرقات الحياة بحثًا عن إجابات، يلاحق وجودًا بعيدًا أو معنًى مفقودًا، بينما الحقيقة قد تكون أقرب ممّا نتصور. الله أو الحقيقة الكبرى التي يسعى الإنسان للوصول إليها، لا تختبئ في المسافة ولا في السرعة. إنّها موجودة دائمًا، صامتة، تنتظر أن نهدأ لنراها، أن نفتح عيوننا على ما حولنا، أن نسمع همس الحياة بكلّ تفاصيله الدقيقة.

الركض المستمرّ يمنعنا من رؤية ما نمرّ به، من إدراك اللحظات الصغيرة التي تشكّل مجمل حياتنا. من يُسرع الخطى يفقد الألوان، ويفوّت الأصوات، ويفقد القدرة على التواصل العميق مع نفسه ومع من حوله. أمّا من يهدأ، فيرى كلّ لون، ويُصغي لكلّ نفس، ويستقبل العالم كما هو. في هذا الاستقبال الهادئ يكمن الفهم الحقيقي، وفي هذا الصمت النشط تنكشف المعاني التي كانت مختبئة وراء السرعة والتشتت.

إنّ التأمّل في الحياة، والاستماع للذات، ليس رفاهية، بل ضرورة. ففي صمتنا، وفي لحظات توقّفنا عن الركض، نكتشف قيمًا حقيقيّة: الصبر، والانتباه للّحظة، والقدرة على استيعاب ما يحدث حولنا. هذه القيم تصقل العقل والروح، وتفتح الطريق أمام حكمة تتجاوز المعرفة السطحيّة. فالفهم العميق لا يُكتسب بالسرعة، بل بالوعي والهدوء، وبالقدرة على أن نكون حاضرين بالكامل في اللحظة الراهنة.

في عالم يقدّر الإنجاز والسرعة أكثر من التأمّل والصمت، من السهل أن ننسى أنّ كل ما نبحث عنه موجود بالفعل بين يدَينا، وداخلنا، وفي تفاصيل الحياة اليوميّة. قد يكون في ابتسامة، في همسة، في ظلّ شجرة، أو في صمت الليل. لكن لا يمكن ملاحظته إلّا إذا توقّفنا عن الركض، وإذا استمعنا بعمق واهتمام.

وعليه، قد يكون الدرس الأهمّ الذي تعلّمناه من هذه الرحلة الداخليّة أنّ المعرفة الحقيقيّة لا تأتي بالسرعة، وأنّ الفهم العميق لا يشتريه الإنسان بالجهد المستمرّ وحده، بل يأتي عندما نسمح لأنفسنا بالتوقّف، وعندما نهدأ، وعندما نعيش اللحظة بوعي كامل. في هدوء اللحظة يكمن السرّ، وفي الإنصات الصامت للحياة نجد الإجابات التي كنّا نركض خلفها طويلًا.

جنوبيات
أخبار مماثلة