25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حين يُلجَمُ النمّام"!
"حين يُلجَمُ النمّام"!
القاضي م جمال الحلو
2026-03-10
"حين يُلجَمُ النمّام"!

في عالمٍ يفيض بالكلام الفارغ، ويضجُّ بالهمس المتطاير على أطراف المجالس، يظلّ النمّام أخطر أدوات الفتنة؛ إذ لا يكتفي بنقل القول، بل يزرع الشكَّ في القلوب، ويُفكِّك عُرى العلاقات، ويغرس الأحقاد الخفيّة بين الناس كما تُغرس الشوكات في التربة الخصبة. ولعلّ الحكمة الأبلغ التي تتردّد في ضمير العقل والخلق معًا هي: «أَخْرِسْ والْجِمِ النمّام»؛ فليست الإدانة وحدها كافية، ولا الاستنكار وحده رادعًا، بل إنّ الحكمة الحقّة تقتضي ضبطه وكفَّ أذاه قبل أن يستشري في المجالس ويُطلق سُمومه في النفوس.

النميمة لا تُسيء إلى الآخرين فحسب، بل تُنقص من صاحبها قبل سواه؛ فهي تسلبه قيمته الإنسانية، وتجرّده من وقار الكلمة وحرمة الأمانة، حتى يغدو أسيرَ ألفاظٍ يردّدها، فتستعبده وتكشف خواءها في داخله قبل أن تفضحها في محيطه. ومن هنا يتجلّى معنى اللَّجْم لا بوصفه ردّ فعلٍ عابر، بل باعتباره موقفًا أخلاقيًا راشدًا ومهارةً اجتماعيةً راقية؛ يضع الحدود حين تتفلّت الكلمات، ويعيد للكلمة وزنها، وللصمت حكمته.

واللجم لا يعني صمتًا مذلًّا أو تراجعًا عن الحق، بل هو قوّة موقف، ونُبل ضبط، وحسن إدارة للكلمة في موضعها. إنّه القدرة على تحويل الضجيج إلى فراغٍ بلا أثر، وعلى ردِّ السهم قبل أن يصيب القلوب.

والمجتمعات التي تحرص على سلامة نسيجها تدرك أنّ مواجهة النمّام لا تكون بالجدال المستهلك ولا بالصراع العبثي، فذلك وقودٌ يقتات عليه، بل تكون بالحزم العاقل واللجم الذكي؛ إذ قد يُغريه الصمت إذا كان استسلامًا، غير أنّ وقفه عند حدّه بوعيٍ واحترام يعيد التوازن إلى النفس والمحيط معًا.

ولعلّ أخطر ما في النميمة أنّها تبدأ كلمةً عابرة، ثم لا تلبث أن تتحوّل شرارةً في هشيم العلاقات؛ فكم من مودّةٍ تهاوت، وكم من ثقةٍ تكسّرت، لأنّ لسانًا لم يُلجَم في حينه. لذلك كانت الكلمة أمانة، وكان صونها ضربًا من ضروب المسؤولية الأخلاقية التي تحفظ للناس كرامتهم، وللمجالس نقاءها، وللمجتمع تماسكه.

إنّ الكلمة الطيّبة تُحيي، والكلمة الجارحة تُوقَف، وهنا يتجلّى جوهر الحكمة:
«اللجم بالأدب أقوى من اللوم، وبالحكمة أمضى من الشتم».

وعليه، فلنجعل من حياتنا اليومية ميدانًا لهذا الشعار العملي:
«أَخْرِسِ النمّامَ، والْجِمْ لسانه بحكمة».

فهذا ليس نصحًا عابرًا، بل ضرورة اجتماعية ماسّة؛ تصون العلاقات من التآكل الخفي، وتقي المجتمعات شرَّ فتنٍ صغيرةٍ ما تلبث أن تتضخّم حين نهمل ضبطها. وعندئذٍ يغدو الصمت في موضعه حكمة، وتغدو الكلمة في وقتها موقفًا، ويصبح لجمُ النمّام فعلًا من أفعال صيانة المجتمع من شرور القول المنفلت.

 

أخبار مماثلة