25 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ما الذي تبقّى من فكرة العدالة؟"
"ما الذي تبقّى من فكرة العدالة؟"
القاضي م جمال الحلو
2026-03-11
"ما الذي تبقّى من فكرة العدالة؟"

لم تكن العدالة، في أيّ زمن، مفهومًا قانونيًّا مجرّدًا، ولا نصًّا جامدًا في دساتير أو مواثيق، بل كانت دائمًا فكرةً أخلاقيّة كبرى، بها تُقاس إنسانيّة الإنسان، وبحضورها أو غيابها تُحدَّد قيمة الدولة والمجتمع معًا. غير أنّ السؤال اليوم لم يعد: كيف نُقيم العدالة؟ بل: ما الذي تبقّى منها أصلًا؟

في عالم يفيض بالشعارات، تبدو العدالة كأنّها أكثر المفاهيم تردّدًا وأقلّها حضورًا. تُستدعى في الخطب، وتُستعمل في البيانات، وتُرفَع كراية عند كلّ نزاع، ثمّ تُترك وحيدة عند أوّل اختبار حقيقي. لقد تحوّلت العدالة، في كثير من السياقات، من قيمةٍ ضامنة إلى أداةٍ انتقائيّة، تُمنح للبعض وتُحجَب عن آخرين، بحسب الموقع أو النفوذ أو الانتماء.

إنّ أخطر ما أصاب فكرة العدالة ليس الظلم نفسه، فالظلم قديم قِدم البشر، بل تطبيع الظلم وتبريره، وإلباسه أثواب القانون حينًا، أو الضرورة حينًا آخر. وحين يصبح الظلم مقبولًا، أو مفهومًا، أو قابلًا للتأجيل، تكون العدالة قد بدأت تفقد معناها العميق، وتتحوّل إلى مجرّد إجراء شكلي لا روح فيه.

لقد نشأت العدالة، في جوهرها، لتكون حدًّا فاصلًا بين القوّة والحقّ، بين الغلبة والإنصاف. فإذا ما ذابت هذه الحدود، وصار القويّ قادرًا على إعادة تعريف الحقّ بما يخدم مصالحه، فإنّ العدالة لا تُهزم فحسب، بل تُفرَّغ من مضمونها. وحين تُفرَّغ القيم من مضمونها، تصبح الكلمات جميلة وخطيرة في آن: جميلة في ظاهرها، خطيرة في أثرها، لأنّها تُضلّل الوعي بدل أن تنيره.

في المجتمعات التي تعاني من أزمات بنيويّة، لا تسقط العدالة فجأة، بل تتآكل ببطء. يبدأ الأمر باستثناء صغير، ثمّ يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ثمّ يُعاد تعريف القاعدة بوصفها «واقعيّة» أو «مرحليّة». وهكذا، شيئًا فشيئًا، يفقد الناس ثقتهم بأنّ العدالة ممكنة، لا لأنّهم لا يؤمنون بها، بل لأنّهم لم يعودوا يرونها تُمارَس.

وما إن تُفقد الثقة بالعدالة، حتى يتفكّك العقد غير المكتوب بين الفرد والمجتمع. فالإنسان قد يصبر على الفقر، وقد يتحمّل القهر، لكنّه لا يستطيع العيش طويلًا في ظلّ شعور دائم بأنّ حقوقه رهينة مزاج السلطة أو موازين القوى. عندها، لا يعود القانون ملاذًا، بل يُنظر إليه كأداة ضغط، ولا تعود الدولة إطارًا جامعًا، بل كيانًا فاقدًا لهيبته الأخلاقيّة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إنّ فكرة العدالة ماتت. فهي لا تموت، لأنّها مغروسة في الضمير الإنساني، ولأنّ الشعور بالظلم هو الدليل الأوضح على بقاء الإحساس بالعدل. ما تبقّى من العدالة اليوم هو الحنين إليها، والاحتجاج باسمها، والرفض الصامت أو العلني لغيابها. وهذا البقاء، على هشاشته، هو ما يمنع الانهيار الكامل.

إنّ استعادة العدالة لا تبدأ من النصوص وحدها، بل من إعادة الاعتبار للقيمة نفسها: أن يشعر الإنسان بأنّه متساوٍ مع غيره أمام القانون، وأنّ كرامته ليست موضوع تفاوض، وأنّ الحقّ لا يُجزّأ ولا يُقايَض. عندها فقط، يمكن للعدالة أن تعود فكرة حيّة، لا شعارًا مكرورًا.

فالسؤال الحقيقي ليس ما الذي تبقّى من العدالة، بل: هل نملك الشجاعة كي نعيد إليها معناها

جنوبيات
أخبار مماثلة