"جوامع الكلم وروح البيان"!
(رحلة في فصاحة النبي العربي محمد عليه افضل الصلاة وأتم التسليم )
لم يؤتَ أحدٌ من خلق الله مثلما أوتيَ سيّد الكائنات، النبي العربي محمد (صلى الله عليه وسلم).
فقد أوتي جوامع الكلم، فكان بكلمتين أو أكثر يختصر المطوّلات والشّروحات، فتصل الفكرة إلى المتلقّي بومضة من نور وبصيص من بنّور.
وإذا أردت عناوين لرسائل الماستر أو أطروحات الدكتوراه، يمكنك اللجوء إلى حديث مختصر تنطلق منه لتصل إلى أهم الدراسات والبحوث والمقالات الموسوعية.
ولنعطِ نموذجًا مختصرًا لبعض أقوال النبي عليه الصلاة والسلام التي أصبحت فيما بعد سننًا قولية وفعليّة وتقريرية:
"الدنيا مزرعة الآخرة."
"الاقتصاد نصف المعيشة."
"إماطة الأذى عن الطريق صدقة."
"تبسّمك في وجه أخيك صدقة."
وغير ذلك الكثير… إنها جوامع الكلم، تختصر المزيد من الشروحات فتصل الفكرة إلى القارئ الفطن بلمحة من وهج الإنارة وصدق العبارة.
فعندما أكتب مقالًا، أكون بين أمرين:
إمّا أن أبتكر الفكرة وأعمل جاهدًا على إيصالها بسلاسة إلى المتلقّي.
أو أن أتبنى فكرةً موجودة في الواقع المعاش، أو سبق أن طُرحت في سياق تاريخي موثّق، فأصوغ توليفة خاصة وحلّة جديدة وصيغة مميزة، ثم أضع الإطار العام للمقال بشكل ممهور ببصمة خاصة.
قد أُخطئ وقد أصيب. فإذا اجتهدت فأخطأت فلي أجر بذلك، وإن اجتهدت فأصبت فلي أجران.
ولفت انتباهي أنّ البعض يريد التقليد الأعمى لعلّه يكون محط الأنظار بما يُشاع من أخبار. ولهذا أقول:
إذا أردت التقليد، فاعتمد التجديد في السرد والتحديد في مبتغاك كي تصل إلى هواك! لكن انتبه للسقطات في عالم الخلطات، فادرس البيان والتبيين، واستوعب الاستعارة والتشبيه، وتعرّف على البديع في قول السميع، وتعلّم الجناس التام وغير التام، واقرأ الطباق والسلب، وتعوّد على السجع، كي لا يلامسَك الوجع بأن ذهب وما رجع، وضاق وما اتسع.
وانتبه للقطب المخفية في الجمل اللفظية، وخذ علمًا بمحط الكلام كي لا تُلام، وأحط خبرًا في فحوى المعاني كما في كتاب "الأغاني".
وأما الذي يرمي الكلام جزافًا، ويختار منه الأسوأ، فأقول ما قاله الشافعي:
> يخاطبني السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبًا
يزيد سفاهة فأزيد حلمًا
كعود زاده الإحراق طيبًا
وإن كان لابن المقفّع محط كلام: (زعموا أنّ)… فلابن الحلو: (يُحكى ويُروى)…
إنها جوامع الكلم، والقطبة المخفية. فحذار من التقلبات الجوّية!