أكدت صحيفة الغارديان البريطانية أن التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط وما يرافقه من حروب وأزمات اقتصادية وأمنية يعود في جوهره إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، مشددة على أن تجاهل القضية الفلسطينية طوال السنوات الماضية كان عاملاً مركزياً في تفجير الأوضاع في المنطقة.
وأوضحت الصحيفة أن الشرق الأوسط يشهد مرحلة شديدة الاضطراب، حيث تتسع رقعة الحرب وتتصاعد المواجهات العسكرية، فيما ترتفع حصيلة القتلى في عدة دول من بينها إيران ولبنان، بالتزامن مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتعرض دول الخليج لضربات إيرانية.
ورغم تعقيد المشهد الإقليمي، ترى الصحيفة أن ما يجري ليس منفصلاً عن جذور الأزمة الأساسية، المتمثلة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير.
أشارت الغارديان إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ركزت على مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة عبر ما سمي بسياسة "الاندماج الإقليمي".
وقامت هذه الخطة على احتواء إيران، وتشجيع المزيد من الدول العربية على تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بهدف تشكيل تحالف اقتصادي وأمني واسع تحت المظلة العسكرية الأمريكية.
وبحسب هذه الرؤية، كان من المفترض أن يؤدي هذا التحالف إلى عزل إيران وإغلاق ملف القضية الفلسطينية تدريجياً.
ورأت الصحيفة أن هذا التوجه اعتمد على افتراض أن الدول العربية ستكتفي بالمطالبة الرمزية بإقامة دولة فلسطينية أو منع ضم الضفة الغربية، بينما يستمر الاحتلال الإسرائيلي عملياً دون تغيير.
لكن هذا التصور تجاهل هشاشة الوضع القائم، خاصة في ظل وجود ملايين الفلسطينيين تحت الاحتلال في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إضافة إلى الحصار المفروض على قطاع غزة.
انهيار الترتيب الإقليمي
بحسب تحليل الغارديان، جاء هجوم السابع من أكتوبر ليكشف مدى هشاشة هذا الترتيب الإقليمي.
فقد أدى الهجوم إلى انهيار فكرة بناء شرق أوسط جديد يتجاوز القضية الفلسطينية، بعدما تبعه رد عسكري إسرائيلي واسع النطاق في قطاع غزة والضفة الغربية.
وتقول الصحيفة إن الحرب التي تلت الهجوم كشفت حجم العنف الذي يتعرض له الفلسطينيون، كما أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي.
وترى أن الاحتلال الإسرائيلي وهيمنته على حياة الفلسطينيين لا يمكن احتواؤهما أو تجاهلهما على المدى الطويل.
*اتساع دائرة الصراع*
بعد السابع من أكتوبر، وسعت دولة الاحتلال نطاق عملياتها العسكرية، زاعمة أن أمنها يتطلب مواجهة جميع القوى التي تعتبرها حليفة للمقاومة الفلسطينية.
وامتدت العمليات العسكرية إلى لبنان وسوريا، حيث نفذت دولة الاحتلال ضربات واسعة وأدت هذه العمليات إلى سقوط آلاف الضحايا.
ومع التصعيد الأخير مع إيران، توسع تعريف دولة الاحتلال لما تعتبره تهديداً لأمنها ليشمل تغيير النظام في الدول التي تدعم خصومها.
وترى الغارديان أن هذا التوسع في تعريف التهديدات جعل تل أبيب بدعم من الولايات المتحدة، لاعباً أساسياً في تحديد مسار الصراع في المنطقة بأكملها.
تداعيات إقليمية ودولية
أشارت الصحيفة إلى أن تجاهل القضية الفلسطينية كان له تأثيرات تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
فالحرب الحالية ساهمت في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، كما أدت إلى أزمات اقتصادية في عدد من الدول.
كما أن التصعيد العسكري انعكس على المشهد السياسي في دول أخرى، حيث أثار احتجاجات واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا، وشهدت الجامعات الأمريكية اعتقالات لطلاب شاركوا في احتجاجات تضامناً مع الفلسطينيين.
وترى الصحيفة أن هذه التطورات تظهر أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية إقليمية فقط، بل أصبحت قضية عالمية تؤثر في السياسة والاقتصاد في عدة دول.
ضغوط على الحلفاء العرب
أشارت الغارديان إلى أن الحرب الحالية على إيران كشفت طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
فالدول التي طبعت علاقاتها مع دولة الاحتلال، مثل الإمارات العربية المتحدة، وجدت نفسها متأثرة بشكل مباشر بالتصعيد العسكري.
وترى الصحيفة أن هذه الدول لم تُعامل كشركاء متساوين، بل كحلفاء يتحملون تبعات القرارات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة تصريحات للسيناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي غراهام دعا فيها دول الخليج إلى المشاركة بشكل أكبر في المواجهة مع إيران، محذراً من عواقب في حال عدم القيام بذلك.
وخلصت الغارديان إلى أن استمرار تجاهل القضية الفلسطينية يمثل ما وصفته بـ"الخطيئة الأصلية" في أزمات الشرق الأوسط.
وترى الصحيفة أن تجاهل حق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير لن يؤدي إلا إلى استمرار دوامة العنف والصراعات في المنطقة.
وأضافت أن الحلول القائمة على التطبيع أو التحالفات العسكرية لن تحقق استقراراً دائماً طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل.
وختمت الصحيفة بالقول إن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقهما عبر تهميش القضية الفلسطينية، بل من خلال إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه السياسية.