25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "نُبل العطاء"!
"نُبل العطاء"!
القاضي م جمال الحلو
2026-03-26
"نُبل العطاء"!

فيما يُروى من قصص الماضي أنّ أحد الملوك استدعى الشعراء إلى قصره؛ فصادفهم شاعرٌ فقير، بيده جرّةٌ فارغة، كان متوجّهًا بها إلى البحر ليملأها ماءً، فرافقهم إلى قصر الملك.

ولمّا وصلوا، بالغ الملك في إكرامهم والإنعام عليهم...

ولمّا رأى الملك الرجل وعلى كتفه الجرّة، وثيابه الرثّة، سأله: من أنت؟ وما حاجتك؟

فأنشد الفقير:
لمّا رأيتُ القوم شدّوا رحالهمُ
إلى بحرك الطامي أتيتُ بجرّتي

فقال الملك: املؤوا جرّته ذهبًا وفضّةً.

فحسده بعض الحاضرين، وقالوا للملك: إنّه فقيرٌ مجنون، لا يعرف قيمة هذا المال، وربّما أتلفه أو ضيّعه.

فردّ الملك: هو ماله، يفعل به ما يشاء.

فمُلئت جرّته ذهبًا؛ وخرج إلى الباب، ففرّق المال على جميع الفقراء.

وبلغ ذلك الملك، فاستدعاه وسأله عن صنيعه، فقال الفقير:
يجودُ علينا الخيرون بمالهمُ
ونحنُ بمالِ الخيرين نجودُ

فأُعجب الملك بجواب الفقير، وأمر أن تُملأ جرّته عشر مرّات، وقال: الحسنة بعشر أمثالها.

فأنشد الفقير هذه الأبيات التي تناقلتها الأجيال:

الناسُ للناسِ ما دام الوفاءُ بهمُ
والعسرُ واليُسرُ أوقاتٌ وساعاتُ

وأكرمُ الناسِ ما بين الورى رجلٌ
تُقضى على يده للناس حاجاتُ

لا تقطعنّ يدَ المعروف عن أحدٍ
ما دمتَ تقدرُ، والأيامُ تاراتُ

واذكر فضيلةَ صنعِ الله إذ جُعلت
إليكَ لا لكَ عند الناس حاجاتُ

فما مات قومٌ وما ماتت فضائلهمُ
وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ

إنّ التلذّذ بالعطاء وقضاء حوائج الناس لا يعرفه إلّا العظماء وأصحاب الأخلاق الفاضلة؛ أولئك الذين أدركوا أنّ المال وسيلةٌ لا غاية، وأنّ قيمته الحقيقية إنّما تُقاس بقدر ما يخفّف ألمًا، أو يُحيي أملًا، أو يصنع في القلوب أثرًا طيّبًا لا يزول.

فالعطاءُ ليس نقصًا في الرصيد، بل زيادةٌ في المعنى؛ وليس بذلًا لما في اليد فحسب، بل ارتقاءٌ بما في النفس. ومن يزرع الخير في دروب الناس، يحصد خلود الذكر في وجدانهم، ويكتب لنفسه حياةً ثانيةً لا يطالها الفناء.

جنوبيات
أخبار مماثلة