ليس سهلاً أن نكتب عن رحيل صوتٍ كان يشبهنا، ولا أن نودّع نغمةً سكنت فينا حتى صارت بعضاً من نبضنا. برحيل أحمد قعبور، لا يغيب فنان فحسب، بل تخفت شعلةٌ من صدقٍ نادر، وتغيب بيروت التي كانت تتكلم بصوته، بوجعها وأملها، بدمعتها وابتسامتها المكسورة.
كان أحمد قعبور أكثر من ملحّن ومغنٍ؛ كان حالةً إنسانية، كان ضميراً يغنّي. حين صدح: “أناديكم وأشد على أياديكم”، لم يكن يؤدي كلمات، بل كان يزرع في القلوب يقيناً بأن الصوت الصادق قادر على أن يوقظ ما خمد فينا. كان نداءه يشبه صلاة جماعية، تمتد من القلب إلى القلب، بلا حواجز ولا أقنعة.
وفي وجع الأطفال، في دمعة اليتيم في رمضان، كان صوته يرفرف كبيارق الرحمة: “علّوا البيارق علّوها”. هناك، لم تكن الموسيقى زينةً للمعنى، بل كانت المعنى ذاته؛ كانت دفئاً يخفف قسوة العالم، ويحثّ على العطاء من حيث تنهمر الدموع بصمت.
أنْسَنَ قعبور الموسيقى، فجعلها تمشي بين الناس، تلامس أكتافهم، وتربت على أرواحهم المتعبة. كان الحزن في صوته شجناً دافئاً، لا يكسرك بل يحتضنك، وكان الفرح فيه دمعةً شفافة، تحمل في طياتها حنيناً عميقاً وتنهيدة طويلة من القلب.
ولعلّ أعظم ما تركه فينا، أنه أعاد تعريف الفن بوصفه موقفاً لا مهنة، ورسالةً لا مجرّد أداء. كان يغنّي كما لو أنّه يحرس ذاكرة الناس، وكأنّ كل لحنٍ عنده هو محاولة لإنقاذ شيءٍ من الضياع، أو ترميم كسرٍ في روح هذا الوطن. لذلك، لم يكن صوته عابراً، بل مقيماً في وجداننا، يتجدّد كلما احتجنا إلى معنى.
اليوم، ونحن نكتبك غياباً، نكتشف كم كنت حضوراً. وكم أن الفراغ الذي تركته يشبه مدينةً فقدت صوتها. أحمد قعبور، لروحك فيض سلام، ولموسيقاك أن تبقى، نابضةً في قلوب الغيارى والأحرار، تهمس فينا كلما خفتت الأصوات: أناديكم… فلا نملك إلا أن نجيب.