24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة السياسة شرف قيادة الرجال
السياسة شرف قيادة الرجال
غازي العريضي
2026-03-30
السياسة شرف قيادة الرجال

 

تتوسّع دائرة الحرب الاسرائيلية على لبنان في محاولة لتنفيذ التهديد بتحويل الجنوب الى غزة ثانية كما أعلن أكثر من مسؤول اسرائيلي سياسي وأمني. دمار وخراب وسياسة أرض محروقة تستهدف كل القرى، والبنى التحتية، والجسور، والمؤسسات والممتلكات العامة والخاصة، الهيئات الاجتماعية الصحية المسعفين الصحفيين والمصورين الاعلاميين. لا شيء ولا أحد يوقف اسرائيل حتى الآن. 

 

لا باب ضوء للخروج من المحنة. ثمة تخلّ كامل عن لبنان. لا مساعي جدية لوقف الحرب. ولا مساعدات للنازحين، وأزمة اجتماعية إنسانية كبيرة قد تنفجر سياسياً في أيَّة لحظة، في ظل مناخ من التوتر السياسي الكبير والانقسام العميق الذي تعيشه البلاد. ويأتيك من يتحدث عن تدخّل سفراء في الشؤون الداخلية اللبنانية وزيارات يقومون بها لقيادات سياسية غير رسمية دون المرور بوزارة الخارجية واحترام الأصول. يستهتر هؤلاء بعقول اللبنانيين الذين يتابعون كل شيئ ويعرفون أن تسوية حسم الشغور الرئاسي وانتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية تمّت بتدخّل خارجي. وتسمية رئيس الحكومة نواف سلام تمّت بتدخّل خارجي، والسفراء المعتمدون أو الذين قدمت اوراق اعتمادهم ولم تقبل بعد، يقومون بصولات وجولات ويلتقون قوى سياسية مختلفة دون إذن أحد، ويصرّحون، ويسرّب بعضهم معلومات خطيرة للإعلام ويقال في الكواليس ما لا يصدّق، والمسألة مزمنة في لبنان وليست وليدة الساعة والذين اتخذوا قراراً بشأنها يعرفون تماماً هذا الأمر. 

لا اقول ذلك دفاعاً عن أحد من السفراء أو سياسة بلاده وتحديداً إيران، إنما للتذكير عندما كنت وزيراً ذهبت الى وزارة الخارجية والتقيت الوزير المرحوم محمود حمود، وكانت المرة الأولى التي أدخل فيها الى هذه الوزارة واستغرب كثيرون لكنني ذهبت لأقول كلاماً على بابها، حاول الوزير حمود ثنيي عنه، أصررت وأدليت بتصريح يدعو الى الالتزام بالأصول ودعوة السفراء والدبلوماسيين الى احترام اللبنانيين وعدم التجول بمواكب عسكرية مكشوفة والإدلاء بتصريحات مختلفة، وأثار الأمر انزعاج كثيرين. لاحقاً انتقدت في مجلس الوزراء اتصالات سفراء بمراجع سياسية رسمية عليا عبر الهاتف والطلب اليهم اتخاذ خطوات وقرارات معينة. ولم يتجاوب أحد. لدينا عادات وتقاليد وأعراف وممارسات تتجاوز كل الأصول ومنها الدبلوماسية. يلتقي سفراء وقائمون بالأعمال ووفود من هنا وهناك مسؤولين في الدولة أمنيين أو إداريين أو في مؤسسات معينة ويغطي الإعلام كل ذلك في وقت لا يعرف مواطنو الدول الأخرى غير أسماء رؤسائهم ومسؤوليهم الأساسيين. وكل هذا طبيعي في لبنان الذي انفجر فيه قرار وزارة الخارجية الأخير، وتنصّل الكل منه. ووقع الخلاف حول الحقيقة كالعادة. 

 

في الأيام الحالية يتنقل مسؤولون في الحرس الثوري في كل الاتجاهات. يُستهدفون. يتوزعون بين شقق في الفنادق وأخرى في المناطق. والحرب الحالية تخاض بشراكة بين الحرس الثوري وحزب الله. ولم يخفوا ذلك. الحكومة اتخذت قرارات ينبغي تطبيقها مع تبريرها بشكل متماسك وقوي ولا تأتي انتقائية فالأصول لم تولد اليوم والمعيار الواحد يجب ان يطبق على الجميع. لو تم اتخاذ إجراء ضد هذه الحركة الإيرانية المباشرة على الأرض اللبنانية لكان الوضع مختلفاً. ولو تجرأ من "حيث لا يجرؤ الآخرون" على ذلك للمسوا تأييداً من فئات لبنانية كثيرة. الوضع لا يحتمل سوء تقدير وتدبير، ومحاولات تسجيل نقاط من هنا وهناك وتقديم عروض من هذا وذاك في الخارج للوصول الى مكاسب ومناصب، وتحت عنوان السيادة ورفض التدخل الخارجي. 

وتعقد اجتماعات تصدر عنها دعوات لمنع تعويض اللبنانيين المتضررين من الحرب الإسرائيلية باعتبار ان ايران هي المسؤولة عن إشعالها ويجب أن تدفع، ويتزامن هذا الأمر مع المفاوضات الإيرانية الأميركية وأحد البنود المطروحة على الطاولة مطالبة إيران بتعويضات فجاء الرد عليها: "عليك أن تدفعي تعويضات للبنان". ولاقت هذا الموقف دول أخرى وكأننا أدخلنا أنفسنا ورقة على طاولة تلك المفاوضات وثمة كثيرون لا يريدونها في الأساس مثلما رفضوا فكرة المفاوضات مع اسرائيل قبل أن تنتهي حربها على البلد! 

 

والى جانب هذا الأمر ثمة خلاف على التعامل مع قضية النازحين، يذهب بعضهم الى إطلاق تصريحات عنصرية في هذا الاتجاه دون تقدير لمخاطرها ويعتبر أنَّ الحديث عن الحرب الأهلية "تهويل" يعرف تماماً أن ما يقال في كواليس مهمة ودوائر ضيقة عن هذا الأمر خطير جداً، وأن ثمة من يتخذ إجراءات على الأرض تحسباً له كي لا نقول أكثر. كما يعرف أن ثمة ضغطاً على القيادة السورية الجديدة للدخول في الحرب. وقد رفضت ذلك. وكانت حركة اسرائيل من جبل الشيخ الذي احتلته مؤخراً الى الجنوب اللبناني نوعاً من "البروفا" والرسالة في ظل الحديث عن إمكانية التدخل الاسرائيلي من جبل الشيخ الى البقاع الغربي في اتجاه مناطق لبنانية معينة. كل هذا ولم يشر الذين يتصرفون على الأسس المذكورة الى العدوان الاسرائيلي وكلام سموتريتش وزير المالية: "يجب أن يكون نهر الليطاني حدودنا الجديدة مع لبنان، والمعركة الحالية يجب أن تنتهي بتغيير جذري للواقع. كما نسيطر على 55 % من غزة يمكننا أن نفعل ذلك في لبنان". 

أمام هذا الواقع تحرك الزعيم الوطني وليد جنبلاط في اتجاه رئيس الجمهورية. أطلق كلاماً دقيقاً رافضاً " الإملاءات الاسرائيلية " داعياً الى وحدة وطنية، وإذا كان لا بدّ من التفاوض مع اسرائيل " فليكن على أساس ورقة لبنانية موحدة واضحة "، والتفاوض لا يكون إلا مع العدو، " ولا يجوز رفضه من أجل الرفض فقط وربطه بحسابات آخرين " !! داعياً الى الاهتمام بالنازحين "فهؤلاء لبنانيون، ابناء البلد، والى تحصين مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش ". 

وفي الوقت نفسه زار وفد من الحزب التقدمي الاشتراكي واللقاء الديموقراطي معراب، والتقى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وكان كلام واضح صريح دقيق حول ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية وإدراك مخاطر الحرب الأهلية وعقلنة الخطاب السياسي في لبنان، بعيداً عن التشنّج والتخوين والاتهام، ورسالة الإعلام في هذا الاتجاه يجب أن تكون ثابتة، والتأكيد على أهمية التعامل مع قضية النازحين بخلفية إنسانية وطنية ومسؤولة، وعلى دور مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش وضرورة الالتفاف حولها. 

الاحتكام الى العقل والحكمة هو الإقدام الذي يميّز القائد السياسي ودوره ومسؤوليته ويكرّس شعار: "السياسة شرف قيادة الرجال" كما كان يقول كمال جنبلاط!

المدن
أخبار مماثلة