لم تعد خدمة الدليفري في لبنان تفصيلاً يومياً بسيطاً يُضاف إلى فاتورة الطعام أو الحاجيات، بل باتت بنداً قائماً بذاته يثقل كلفة الطلب، وخصوصاً مع الارتفاع المتواصل في أسعار النفط عالمياً وانعكاسه المباشر على أسعار البنزين محلياً. ففي الأيام الأخيرة، قفزت أسعار الخام عالمياً إلى مستويات مرتفعة جداً بفعل التوترات في المنطقة، فيما شهد لبنان زيادات متلاحقة في أسعار المحروقات، كان آخرها رفع سعر البنزين والدّيزل وفق الجداول الرسمية الأخيرة.
في هذا المناخ، لم يعد ممكناً لكثير من أصحاب خدمات التوصيل الاستمرار بالتسعيرة نفسها. فالسائق الذي كان يحتسب كلفة المشوار ضمن هامش مقبول، بات اليوم يواجه فاتورة تشغيل أعلى، تبدأ من الوقود ولا تنتهي عند صيانة الدراجة أو السيارة وقطع الغيار والزيوت، وصولاً إلى الوقت الضائع في الزحمة. لذلك، صار منطق “التسعير بحسب المسافة” يتقدّم بسرعة، لا كخيار تجاري فقط، بل كآلية دفاع عن الحد الأدنى من الجدوى.
عملياً، تغيّر شكل الخدمة. لم تعد قيمة التوصيل موحّدة بين منطقة وأخرى، ولا حتى بين طلب وآخر داخل المدينة نفسها. فالمسافة، واستهلاك الوقود، وطبيعة الطريق، والوقت اللازم للتسليم، كلها عناصر دخلت إلى التسعير. وهذا ما يفسّر لماذا أصبحت بعض الطلبات القصيرة مقبولة نسبياً، فيما ترتفع كلفة الطلبات البعيدة بشكل ملحوظ، حتى لو كانت قيمة السلعة نفسها متواضعة. وعلى سبيل المثال تسعيرة 3$ التي كانت معتمدة سابقا وصلت إلى 5 و 7 دولارات في بعض المناطق، في حين ترتفع أكثر كلما بعدت المسافة.
المفارقة أن المستهلك اللبناني يجد نفسه أمام معادلة صعبة. فهو من جهة يرزح تحت ضغوط معيشية واضحة، ومن جهة أخرى يضطر إلى دفع بدل توصيل أعلى للحصول على خدمة باتت بالنسبة إلى كثيرين ضرورة يومية لا رفاهية، سواء لشراء الطعام أو الأدوية أو الحاجيات الأساسية. وهنا تحديداً تظهر المشكلة الأعمق: ارتفاع كلفة الدليفري لا يطال المطاعم والتطبيقات فقط، بل ينسحب على نمط العيش نفسه، وعلى قدرة الناس على الوصول إلى الخدمات بأكلاف محتملة.
أما المؤسسات، فهي بدورها أمام اختبار حساس. فبعضها يحاول امتصاص جزء من الكلفة كي لا يخسر الزبائن، فيما يفضّل البعض الآخر نقل العبء مباشرة إلى المستهلك عبر شرائح سعرية مرتبطة بالمسافة. وبين هذا وذاك، يبدو أن السوق يتجه أكثر فأكثر إلى نموذج مرن لكنه أكثر قسوة على الناس: كلما ابتعد عنوانك، ارتفعت الفاتورة.
هكذا، لم يعد الدليفري في لبنان خدمة سريعة فقط، بل مرآة مباشرة لأزمة المحروقات وتقلبات السوق. ومع بقاء النفط عند مستويات مرتفعة عالمياً واستمرار الزيادات المحلية على أسعار البنزين، يبدو أن التسعير “بحسب المسافة” مرشّح لأن يتحول من إجراء ظرفي إلى قاعدة ثابتة في يوميات اللبنانيين.