لأول مرة، تقترب الكتل النيابية من إقرار قانون العفو العام. وفي هذا السياق، أتت دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة مشتركة للجان النيابية تعقد اليوم، وعلى جدول أعمالها اقتراح القانون الرامي إلى منح عفو عام وتخفيض مدّة العقوبات بشكل استثنائي.
وتأتي الخطوة هذه بعد سلسلة لقاءات عُقدت مع المرجعيات السياسية في الأشهر الأخيرة لبحث الأمر، بعد سنوات لم تكن المناخات السياسية فيها تتيح تمرير العفو العام تحت قبة البرلمان. غير أن سقوط النظام السوري السابق، ثم إخلاء سبيل محكومين سوريين عبر اتفاق بين البلدين، إضافةً إلى الواقع السيّئ للسجون وأماكن التوقيف الاحتياطي، جعل ما كان مستحيلاً في الأمس، ممكناً اليوم.
وفقاً للمعلومات، صاغ الاقتراح ثمانية نواب سُنّة ينتمون إلى كتلتي «لبنان الجديد» و«الاعتدال الوطني» (نبيل بدر، أحمد الخير، وليد البعريني، عبد الرحمن البزري، عماد الحوت، محمد سليمان، عبد العزيز الصمد وبلال حشيمي). وكان من المفترض أن يُقدّم بصيغة المعجّل المكرّر، قبل اقتراح عرضه على اللجان المشتركة لإشباع النقاش حوله، منعاً لإسقاطه في الهيئة العامة.
وتؤكد مصادر متابعة أن نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، كان عملياً «دينامو» الاقتراح، عبر محاولاته تعبيد طريق النواب إلى عين التينة وبعبدا، عدا التنسيق مع عدد من القضاة لتنقيحه، بما يسمح بحصوله على أكثرية نيابية.
وفيما كان بدر وزملاؤه في «لبنان الجديد» يخوضون كباشاً سياسياً، جال نواب «الاعتدال الوطني» على بعض رؤساء الكتل والأحزاب لإقناعهم بالطرح.
اعتراض عون
على صعيد الرئاسات الثلاث، تُفيد معلومات «الأخبار» أن رئيس الحكومة نواف سلام أعطى مُباركته. وكذلك، لم يكن بري معارضاً للأمر، بل تعهّد بتمريره في الهيئة العامة وقبلها في اللجان المشتركة. ويتردد، في هذا الإطار، أن بدر كان قد اتفق مع بري على تأمين تصويت عدد من النواب السُنّة على التمديد للمجلس النيابي، مقابل تسهيل الأول إقرار العفو العام.
لذا، دخل بو صعب على الخط، قبل أن يتولى نقل الاقتراح إلى القصر الجمهوري. وتؤكد مصادر معنية أن مهمة بدر في بعبدا كانت أكثر تعقيداً، إذ أبدى رئيس الجمهورية جوزيف عون تشدداً حول عدد من البنود، ولا سيما المتعلقة بتخفيض عقوبة الإعدام، واستثناء قتل العسكريين.
أدى ذلك إلى تأزّم الأمور، خصوصاً بعدما لوّح عون بردّ القانون في حال أقرّته الهيئة العامة، من دون استثناء جرائم القتل بحق العسكريين، وتخفيض عقوبة المحكومين بالإعدام. وفي المقابل، أصرّ بدر وعدد من النواب السُنّة الذين وقعوا الاقتراح، على شمول المحكومين بالإعدام، على اعتبار أن عددهم لا يتعدّى 13 شخصاً (بعد إخراج المحكومين السوريين)، وأن أي تخفيض لعقوبتهم، يعني خروجهم بعد ست سنوات على الأقل.
وتمسك هؤلاء بتخفيض عقوبة الإعدام (لا تنفذ) من 30 إلى 25 عاماً، وعقوبة المحكومين بالسجن المؤبّد (عددهم 53 من أصل 120 شخصاً متهمين بجرائم إرهابية) إلى 20 عاماً، بينما أصرّ رئيس الجمهورية على عدم تخفيض العقوبتين عن 30 عاماً.
القصر الجمهوري يرفض التساهل مع المحكومين بالإعدام وقاتلي العسكريين
ولأن عون بدا غير متحمسٍ أصلاً للقانون بغض النظر عن تعديلاته، كادت اللقاءات معه أن تُحبط الاقتراح برمّته، قبل أن يؤدي بو صعب دوراً أساسياً في إجراء التعديلات المناسبة بمساعدة عدد من القضاة، بغية نيل القانون غطاءً من الرؤساء الثلاثة. لكن ليس مؤكداً بعد ما إذا كان عون قد أعطى موافقته أم أنه لا يزال معترضاً، رغم التنقيحات التي أُجريت.
نص الاقتراح
ينص اقتراح القانون الذي سيعرض اليوم في جلسة اللجان المشتركة، على أن تكون الأسباب الموجبة متعلقة بالاكتظاظ والأزمة الاقتصادية التي تسبّبت بمعاناة غير إنسانية، ما يزيد الاحتقان والغليان داخل السجون. وأبرز ما يتضمنه، استثناء:
أ - الجرائم المُحالة على المجلس العدلي.
ب - القتل العمد أو القصد بحق المدنيين أو العسكريين وجميع عناصر القوى الأمنية سواء صدرت الأحكام أو لم تصدر.
ت - جرائم الخيانة والتجسّس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو.
ث - جنايات المخدّرات في حال وجود أكثر من ملاحقتين قضائيتين، أو أكثر من حُكمين قضائيين. وفي حال تعدّد الملاحقات بحق الشخص نفسه، يستثنى من منحة العفو في حال صدر بحقه أكثر من حكمين مبرمين بجنايات المخدرات.
ج - جرائم التعدّي على الأملاك العمومية، إذا كان الجرم لا يزال مستمراً.
ح - اختلاس المال العام.
خ - قانون مكافحة الفساد في القطاع العام الرقم 175 تاريخ 8 أيار 2020.
د - قانون الإثراء غير المشروع.
ذ - القوانين المتعلقة بالآثار.
ر - الجرائم التي يتخذ فيها المتضرّر صفة الادعاء الشخصي، ما لم يتم الاستحصال على إسقاط الحق الشخصي بموجبها، أو بسقوط الحق الشخصي للأسباب المحدّدة قانوناً، أو بأداء قيمة التعويضات الشخصية المحكوم بها أو المطالب بها، فتمنح عندها منحة العفو العام عن هذه الجرائم.
كما سينص الاقتراح على الآتي: «استثنائياً وفي كل الجرائم المرتكبة قبل تاريخ نشر هذا القانون والتي لم تصدر أحكام فيها وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 12 سنة سجنية، يُخلى سبيل المُدّعى عليه حكماً وتستمر محاكمته وفقاً للأصول القانونية». وأيضاً: «في حال ارتكب المستفيد من هذا القانون جناية خلال مدة خمس سنوات، تشدد عقوبته في الجرم الجديد».
ومن البنود المقترحة كذلك: «بالنسبة إلى غير المدنيين، أي شخص يستفيد من أحكام هذا القانون يُسلَّم فور إخراجه من السجن إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء المقتضى».