في تطوّر قضائي أعاد فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في لبنان، انعقدت جلسة مخصصة لملف "تيك توك" أمام محكمة الجنايات في رومية برئاسة القاضي إيلي الحلو، وبحضور المستشارين وممثل النيابة العامة القاضي علي سيف الدين.
الجلسة جاءت في إطار المرافعات في قضية تحولت منذ انكشافها إلى ملف جنائي شديد الحساسية، تداخلت فيه مزاعم الاستدراج والاستغلال والابتزاز مع مسارات قضائية وأمنية متشعبة. إلا أن مجرياتها لم تسر وفق المتوقع، مع حضور عدد كبير من المدعى عليهم والمدعين، مقابل غياب أسماء أساسية تعتبر في صلب الوقائع.
حضر كل من "ع. كيسو" و"ي. خلف" و"ك. طاباقيان" و"م. عثمان" و"غ. غنوي" و"ج. المبيض" و"خ. مرعب" و"م. شرف الدين" و"ه. هضّام" و"ر. عيد" و"ح. علّيق"، إضافة إلى المدعيين "ه. رعد" و"م. حجيج". في المقابل، غاب "ح. سنجر" و"ب. نفاع" و"ر. السارجي" و"ب. المعوشي" و"م. الحمالي" و"م. أكتورك"، علما أن الأخيرين رحّلا سابقا من قبل الأمن العام ومنعا من دخول لبنان.
ومثل وكلاء الدفاع المحامية ماريانا برّو عن الحمالي وأكتورك وخلف، والمحامي مصطفى نوفل عن كيسو، والمحامي سلوان صادر عن المبيض، والمحامي يوسف بو سرحال عن طاباقيان، فيما تغيب المحامي شربل الخوري، ما دفع موكله شرف الدين إلى التمسك بحضوره شخصيا.
وتظهر مراجعة وقائع القضية أن الملف لم يبدأ بادعاءات استدراج قاصرين عبر وسائل التواصل، بل انطلق من شكوى جزائية بتاريخ 26 شباط 2024 قدمها القاصران الحمالي وأكتورك أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان ضد "ح. سنجر" و"ه. رعد" و"ض. طباجا" على خلفية تعرضهما للضرب والسلب داخل أحد المقاهي. وبعد أيام، تقدم "ح. سنجر" ومجموعة مرتبطة به في 28 شباط 2024 بشكوى مقابلة تحدثت عن شبكة مزعومة تستدرج القاصرين عبر تطبيقات التواصل.
ومنذ ذلك الحين، توسع الملف وتشعبت التحقيقات، ليتحول إلى واحدة من أكثر القضايا الجزائية تعقيدا في السنوات الأخيرة. وادعت النيابة العامة بما مجموعه 15 جرما، توزعت بين 10 جنايات و5 جنح، شملت الاغتصاب ومجامعة قاصر دون 15 عاما وأفعالا منافية للحشمة واستدراج قاصر للفحشاء والتحريض عليها، إضافة إلى السرقة المشددة والخطف والاتجار بالأشخاص وتأليف جمعية أشرار وحيازة أسلحة حربية.
وأظهرت التحقيقات تحولا لافتا في مواقع بعض الأطراف، إذ تبين أن المدعي "ح. سنجر" من أصحاب السوابق العدلية ومحكوم سابقا بجرم تحرش، وغادر لبنان بعد ظهور معطيات جديدة بحقه، ليصدر لاحقا بحقه بلاغ بحث وتحر ومذكرة توقيف غيابية. كما خضع عدد من القاصرين الذين اعتبروا في البداية ضحايا لتحقيقات في ملفات أخرى تتعلق بترويج وتعاطي المخدرات والتحرش وحيازة أسلحة حربية وترويج عملة مزورة.
وخلال الجلسة، برز اسم "ح. شيخو" الموقوف في سجن زحلة بدعوى أخرى، والذي لم يتم سوقه إلى المحكمة. وعند الاستفسار عن سبب غيابه، أكد وكيله المحامي محمد هاولو زعيتر أن الاتصال به منقطع، معلنا اعتزاله الوكالة عن "ح. سنجر" بعد تحوله إلى متهم فار.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التحول ترافق مع شبهات حول دور محوري في إدارة الشكوى المقابلة، وسط حديث من أوساط الدفاع عن محاولة لتغيير مسار التحقيق وإخفاء معالم جرائم سابقة، بالتوازي مع كشف منظومة مالية مرتبطة بأشخاص خارج لبنان.
من جهتهم، رفع وكلاء الدفاع، ولا سيما المحاميان سلوان صادر وماريانا برّو، سقف المواجهة، مطالبين بحضور المدعين المتغيبين لمناقشتهم مباشرة، رغم اعتبارهم مبلغين أصولا عبر وكيلهم القانوني. وأشاروا إلى أن بعض الإفادات جاءت من دون تحديد زمني واضح أو أدلة طبية ومادية مباشرة، ما يثير تساؤلات حول قوتها أمام المحكمة.
وبناء على ذلك، ومع إصرار الدفاع على حضور المدعين وتمسك المتهم شرف الدين بحضور وكيله شخصيا، قررت المحكمة تأجيل الجلسة إلى 30 حزيران 2026، على أن تخصص للمرافعات الخطية فقط نظرا لتعدد الأطراف وتشعب الملف.
وبين روايات متناقضة وتحولات في الأدوار، يبقى الملف مفتوحا على احتمالات عدة، بانتظار ما ستقرره محكمة الجنايات في الجلسة المقبلة، فيما يستمر الجدل حول حقيقة ما جرى ومن يقف خلفه.